التشتت وفقد الانتباه

إلهاءات الأتمتة؛ كيف تفقد البشرية حريتها!

لنفترض أنك للتو انهيت مرحلة البكالوريوس ولديك رغبة في إكمال تحصيلك العلمي. لكن ليس لديك وقت لذلك.

الآن بإمكانك أن تقوم بنسخ المعرفة والعلم من دماغ أي شخص آخر، والحصول على درجة الماجستير والدكتوراه في ثلاث دقائق فقط.!

سيكون هناك طُلاب في الدراسات العليا، أسمهم “المانحين”، قادرين على تأجير أدمغتهم، ومنح المعرفة الفريدة التي يملكونها إلى طلاب آخرين راغبين في الوصول إلى نفس درجة المعرفة، وهم فئة “الناسخون من العلم”

هذه الطريقة لا تعني أن مسار التعليم المتعارف عليه سيتوقف، بل سوف يستمر وسيكون لدينا طلاب يحصلون على درجة الدكتوراة في خمس سنوات، وطلاب آخرين يحصلون على نفس الدرجة في ثلاث دقائق. هذه المعارف المتراكمة المخزنة في دماغك بات بإمكانك أن تشاركها أو  تبيعها بعدة طرق، يمكن أن تتم عملية النقل إلي أدمغة الناسخون من العلم، أو حتى تأجيرها على السحابة العلمية، أو تقديمها في ملفات صوتية، يمكن لأي شخص أن يستمع لها بصوتك.

ثم مع سهولة نسخ المعرفة، وتقدم خوارزميات الذكاء الصناعي، سينشأ جيل يغرق في سهولة الحصول على المعارف، لكنه سيكون كسول جدًا في تطبيقها. ستكون كمية البيانات المتوفرة عن كل شيء وأي شيء هي أكبر عذاب يواجه الجيل القادم. ستكون مهمة معالجة البيانات مثل مهمة تكسير جبل من الحجارة في العصر الحجري. شيء صعب جدًا لكنه ضروري للبقاء على قيد الحياة.

و لضخامة حجم البيانات المتوفرة ستكون هناك أزمة طمر النفايات، ستواجه دولة المستقبل أزمة في التخلص من تريليونات من البيانات التالفة وغير المفيدة، فيما ستنشأ سوق سوداء لإعادة استخدام هذه النفايات 

فكر فيها بشكل بسيط جدًا، لماذا أقضي خمس سنوات في قراءة نفس الكتب التي قرأتها، وكتابة الرسائل الاكاديمية التي كتبتها، ثم الوصول إلى نفس الاستنتاجات التي حصلت عليها. أنا أحتاج فقط إلى نسخة من المعلومات الجاهزة الموجودة في دماغك.

ربما تنشأ مشكلة بأن يكون لدينا نُسخ مكررة من الأدمغة التي تفكر بنفس الطريقة، وتقترح نفس الحلول. لكنها مشكلة تظهر في الجيل الأول من “الناسخون من العلم”، بعد ذلك ستجري عمليات تحسين أثناء عملية نسخ المعرفة، بحيث تتم معالجتها أثناء النقل، و وضعها ثم تصنيفات مثل: معلومات مؤكدة، معلومات قابلة للنقاش، معلومات ناقصة، معلومات تحتاج تحتاج للنقض. بعد ذلك يمكن تهيئة دماغ “الناسخون” حتى تتلقى هذه المعلومات وتُعيد تحديثها ونقلها وترتيبها بحسب المتغيرات الجديدة التي طرأت على المعلومات.

أما السحابة العملية هي عبارة عن أدمغة بشرية موصولة بالسحابة، يمكن لأي طالب في أي مجال كان، أن يدخل على السحابة العلمية، ويستفسر عن أي معلومة ويحصل على إجابة مؤكدة محدثة وفي لحظتها.

فيما سيكون أفراد السحابة العلمية، أكثر فئة في المجتمع تحظى بالحماية الأمنية، ويُنظر لهم بشيء من القداسة. وهم يتحكمون في مصائر الشعب كما كان يتحكم رجال الدين في العصور المظلمة لأوروبا، حيث احتكرت الكنسية كل المعرفة. وأصبح الناس أتباع ليس لهم من الأمر شيء.!

ولأن الوصول إلى منزلة السحابة العلمية صعب جدًا، ستكون هي الفئة المتحكمة في الشعوب، وربما ضللت الشعب، وقدمت معلومات مغلوطة. لأهداف خبيثة. ولا يمكن لأي فرد من أفراد المجتمع نقض أفكارها أو حتى نقدها. ما حجم المعرفة التي لديك حتى تقارع السحابة العلمية؟

ولأن البشرية قضت فترات طويلة جدًا في الرفاه، سينشأ جيل مُشتت، غير قادر على التعلّم، والتركيز. ستكون فترة التركيز القصوى خمس دقائق، وهي فترة لا يمكن من خلالها بناء معرفة، إنما تكون فترة لطرح السؤال و تلقي الجواب من السحابة العلمية.  أنت خاضع لهم طواعيةً، لا تملك أي تفسير لأي سؤال في الكوكب إلا من خلال معرفتهم لأنهم جعلوك تدور في فلك قوانين اقتصاد الانتباه.

هذا الجيل لم يكن قادر على التعلّم والتركيز بسبب سيطرة الذكاء الصناعي على كافة مناحي الحياة، كل شيء مؤتمت، ويتم وفق خوارزميات تقترح عليك كل شيء، ماذا تأكل؟، ماذا ترتدي؟، متى تنام؟، متى تصحو؟، ما هي أحلامك؟، كيف تعمل؟.

وجدت البشرية نفسها عاجزة عن عمل أي شيء، وسلمت رقابها طواعية إلى خوارزميات الذكاء الصناعي، التي كانت لطيفةً جدًا في بداياتها، وكانت حكرًا على الطبقة الغنية، وتُمثل أعلى مراتب الرفاه. ثم تسربت هذه التقنية إلى الطبقة الوسطى، وهنا بدأ إنحدار المجتمعات نحو الكسل، إلى أن وصلت إلى الطبقة الفقيرة وأحكمت سيطرتها على العالم. ثم تحوّلت هذه الخوارزميات  إلى شياطين خبيثة تُدير عقول البشر بلا رحمة.

تنظر المجتمعات البشرية إلى فئة السحابة العلمية، كحل منقذ من تسلط الذكاء الصناعي، فيما تحصل عدة مواجهات بينهم. إلا أن الذكاء الصناعي ينجح دومًا في تحريك البشر كأدوات غبية سهلة الانقياد. فيما تتناقص فئة السحابة العلمية، بسبب تقدم السن، ويصعب تعويضهم لأن الجيل الحالي لا يستطيع كسر قاعدة التركيز لأكثر من خمس دقائق. ودائمًا يركع للخوارزميات التي تعرف كيف تقوم بتشتيته.!

يموت آخر شخص من السحابة العلمية على الكوكب، ويكون موته هو آخر مسمار في نعش البشرية، وتُعلن خوارزميات الذكاء الصناعي سيطرتها على الكوكب. ويتم تقسيم البشر إلى ثلاث فئات، فئة فئران التجارب، وفئة الإنتاج، وفئة النسخ المتكررة.

سيتم إعدام فئة النسخ المتكررة، لأن الذكاء الصناعي، قام بمسح على كافة البشرية و وجد أن هناك ثلاثة مليارات من البشر لديهم نفس درجة الذكاء المنخفضة، ونفس الأفكار والأحلام. وقرر أن يتخلص منهم لأنهم يشكلون عبء على الكوكب. بحسب رأيه.

فيما ستبقى فئة الإنتاج تقوم بمهام إنتاج الطعام، أما فئة فئران التجارب ستكون على مسرح الذكاء الصناعي كل شهر.!، ستخضع هذه الفئة إلى تحديات كسر قاعدة التركيز لأكثر من خمس دقائق.

مسرح الخمس دقائق، هو احتفال أسطوري يُقام كل شهر، مثل الاحتفالات التي كان يقوم بها الرومان في مسرح “الكولوسيوم” أو حلبة المصارعة الرومانية.  حيث تختلط دماء البشر مع الحيوانات، وهو احتفال ترفيهي شيطاني مبني على الطبقية، والمنتصر هو من يقتل الجميع!   في مسرح الخوارزميات سيكون البشر أمام تحدي، لكسر التركيز أكثر من خمس دقائق. سوف تتنافس الخوارزميات على تشتيت هذه الفئة،.

هناك من يسقط في فخ التشتيت خلال دقيقة، وهناك من يصل إلى خمس. أما من يتجاوز الخمس دقائق وهي فئة نادرة جدًا، فعادةً يتم إعدامها بالحرق ويتم بث مشاهد الإعدام لكافة البشرية، حتى تبقى خاضعة خانعة، تحت رحمة الخمس دقائق.

حدود التركيز التي لديك هي خمس دقائق، تقوم فيها بالسؤال وتلقي الجواب، ليس مسموح لك بالتفكير، أو اكتساب معرفة جديدة، لديك سقف معرفة محددة، ووقت محدد للتركيز. في حال تجاوزت هذا السقف سيكون آخر يوم لك على سطح الأرض.

تبدأ خوارزميات الذكاء الصناعي بالتخاطب مع العالم الآخر، رغبةً منها في البحث عن “ألعاب جديدة”، لأنها سئمت من فئران التجارب، وتريد فصيلة جديدة تسيطر عليها.  هذه التطلعات الشيطانية تكشف عن كوكب آخر يعيش في بشر بدائيون، يمارسون الزراعة، ويعيشون على ما يزرعون.!

تُرسل الخوارزميات كائن بشري من فئران التجارب لهذا الكوكب، بغرض مساعدة سكان الكوكب على تحسين حياتهم، وجعلها أكثر رفاهية. وتكون البداية مع آلة لحصد الثمار، التي تُعجب سكان الكوكب الجديد، وهنا تبدأ قصة جديدة من تحوّل المجتمع الزراعي إلى مجتمع صناعي، في طريقة إلى الأتمتة وتحكم الآلات. سوف يستغرق على الأقل ثلاثة عقود من التحوّل.

من أجل الإنتقال للكوكب الجديد؛ يتم إعدام كل فئة إنتاج الطعام، وإجبار فئران التجارب على السفر إلى الكوكب الجديد من أجل نقل المعرفة، أو الموت جوعًا في كوكبهم.  يتم ترحيل آخر مجموعة من فئران التجارب إلى الكوكب الجديد. ويبقى كوكب الأرض مهجورًا خاليًا من أي تواجد بشري أو حيواني أو نباتي.!

بعد ثلاثة عقود من الإنتقال إلى الكوكب الجديد تبدأ آلالات حصد الثمار، وسقاية الزرع، و رش البذور في التوقف. ويعجز أبناء الجيل الجديد عن ممارسة الحصاد والسقاية ورش البذور لأنها أعمال لا يعرفونها، ولم ينشأوا عليها. ومن العسير عليهم تعلمها، بسبب الرفاه الذي عاشوا فيه مع الآلات الذكية التي تقوم بكل شيء نيابةً عنهم.

وهنا تبدأ الخوارزميات الشيطانية في التحكم في مصيرهم، ورسم مسار حياتهم بعد أن تمكنت من إحكام قبضتها على طعامهم.!

وكما قال جبران خليل جبران:”ويل لأمة تلبس مما لاتنسج، وتأكل مما لاتزرع، وتشرب مما لا تعصر …” جاءت هذه اللعنات على البشرية من صنع أيديهم، وتم هدم حضارتين بشريتين بنفس الحيلة … الإلهاء وفقد الانتباه

إلا أن البشرية عادت مرة أخرى وتخلصت من سيطرة الخوارزميات، بفضل جيل جديد من متعددي المواهب واللغات، وجد أن استخدام الأيدي في صناعة “العجين” والاستغراق في العجن هي أفضل وسيلة لتطوير مهارة التركيز، بعيدًا على إلهاءات الذكاء الصناعي، وتم كسر قاعدة الخمس دقائق. وعادة البشرية للسيطرة بفضل فتاة العجن!  ^_*

طوروا مهارات تستخدمون فيها أيديكم بعيدًا عن الأتمتة، جربوا أن تستخدموا أيديكم قبل أن تفقدوا مهارة العمل باليد.!


 

ملاحظة على الجانب: المدون مؤمن بأن أي ثورة علمية جديدة، تخلق فرص وحياة جديدة، وتكون مفيدة للبشرية … لكنه هنا كان مفرط في السوداوية حتى يلفت الانتباه إلى “معضلة فقد الانتباه”، أترك شاشة الهاتف وتحرك الآن!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

انتقل إلى أعلى