ترامب المهارات

اقتصاديًا؛ ماذا يعني قرار ترامب حول التوظيف بناءً على المهارات؟

لعلك قرأت أو سمعت أو شاهدت توقيع الرئيس الأمريكي ترامب لقرار تنفيذي للحكومة الفيدرالية يقضي بتفضيل المهارات في التوظيف بدلاً من الشهادات.

سنحاول قراءة وفهم هذا القرار، وهل سوف يشكل نفس التأثير الذي تأخذه كرة الثلج، بمعنى سيكون في بدايتة قرارًا أمريكيًا في حدود ضيقة جدًا (الموظفين الفيدراليين). ربما يتحوّل بعد ذلك إلى قرارات متتابعة من عدة دول، حتى تصل الموجه إلى منطقتنا العربية.!

بدايةً لنأخذ التوظيف من خلال المهارات كأساس للنقاش، ما هي الشركات أو المنظمات أو الجهات التي تقوم بالتوظيف على أساس المهارات فقط؟ 


القريب من قطاع الشركات الناشئة في كل العالم يدرك أن معيار المهارات، هو أهم معيار للتوظيف في الشركات الناشئة. لذلك (عالم من المهارات وليس الشهادات) هو العنوان الأبرز للتوظيف في هذه الشركات.

 إن الدافع الرئيس للشركات عمومًا والشركات الناشئة على وجه التحديد، هو تعزيز النمو والبقاء في السوق وكسب العملاء، والتطلع إلى جولات التمويل القادمة. وكل ذلك يجعل معايير التوظيف لديها ترتكز على توظيف المواهب القادرة على المساعدة والمساهمة في كل هذه الأهداف.

على تويتر قمت بطرح هذا السؤال:هل تعتقد بأن معيار المهارات سيكون معيار للحكومات والشركات الكبيرة أيضًا، وستبدأ الموجه من أمريكا لكل العالم؟

 

التصويت الذي حصل على تفاعل من 341 مشارك، قال 54% بأنهم لا يعتقدون بأن القرار سيكون معيار للحكومات والشركات الكبيرة، فيما أجاب 45% بنعم. هذه النسبة المتقاربة نوعا ما تعكس حالة الإنقسام حول القرار التي شاهدناها في الشبكات الاجتماعية.

وفي هذا الجانب طرح حساب LinkedIn News Gulf على لينكدإن سؤالًا حول (هل تعطي الشركات في دول مجلس التعاون الخليجي وزناً أكبر للمهارات بدلاً من الشهادات عند التوظيف؟)، وأجاب 85% بأنهم يضعون وزنًا أكبر للمهارات فيما قال 14% أن خيارهم سيكون للشهادات.

 

توجهت بهذه الأسئلة وغيرها للمختصين …

 

القرار أمريكي ولن يشمل العالم!

في أغلب الوظائف الحكومية عالميًا تسيطر البيروقراطية على (توصيف وقواعد التوظيف)، لذلك تكون الشهادة هي المقياس أو الأداة التي تخولك للدخول إلى المفاضلة على الوظيفة. بعدها تأتي الشروط الأخرى. الآن يبدو من قرار الرئيس ترامب، وبرغم أنه قرار ضيق جدًا على وظائف محددة جدًا جدًا. إلا أنه أتخذ نمط وشكل الوظائف في الشركات الناشئة بتقديم معيار (المهارة) على كافة المعايير في التوظيف.

سألت الاقتصادي الدكتور حمزة السالم  عن رؤيتة في هذا القرار وهل سيكون معيارًا عالميًا للتوظيف في القطاع الخاص والحكومي وكل الشركات كبيرها وصغيرها، إلا أن السالم يرفض مثل هذه الرؤية بشكل قاطع:” لا لأن هذا موضوع بيروقراطي محض خاص بالحكومة الفيدرالية فقط”، وفسر ذلك بقولة:”لأنهم يعتمدون نظام الدكتوراة عند التوظيف في المرتبة وتقدير الراتب عند التعيين، فيأتي من لدية شهادة الدكتوراه فيقدمونه على أصحاب الشهادات الأدنى مما جعل أصحاب الشهادات الأقل من الدكتوراة، لا يجدون عملًا في الحكومة”.

ويرى السالم أنها مشكلة أمريكية تتعلق بالنظام البيروقراطي هناك وعلينا أن لا نجعل منها ثورة في مجال التوظيف والتعيين وأضاف:”هذه مشكلة أزلية لديهم، ولم يحاول أحد حلها من قبل لأنها قد تخلق مشاكل أخرى. جاء ترامب فأمر بها فحُلت غير عابئ بما سيحدث”

معنى ذلك أنك تُشير إلى أنها قضية أمريكية صرفة ولن تشمل العالم سألت السالم؟، إلا أنه رد بشكل جازم “لا يمكن حتى اعتبارها قضية امريكية، فقط ما يتعلق بالحكومة الفدرالية”

إصدار القرار جاء ضمن خطة لإعادة استراتيجية توظيف الحكومة الفيدرالية التي توظف أكثر من مليوني عامل مدني. إذن؛ لماذا يخاف العالم من هذا القرار، و لماذا يحتفل به أنصار المهارات بالرغم من أنه ليس بقرار جديد أو حتى قرار مُلزم؟  هناك صوت آخر يقول بأن القرار مجرد قرار انتخابي، الهدف منه كسب المزيد من الأصوات ودعم ترشيح الرئيس ترامب لفترة ولاية ثانية. ولن غير من الأمر شيء. وليس هناك داعي للاحتفال بالقرار.!

الطبيعة المتغيرة للعمل تتطلب تغيرًا في المهارات

حتى لا نخلط الأمور دعونا نفرق بين الوظائف التي تتطلب شهادات وبين تلك التي تتطلب مهارات فقط، هناك وظائف تعتمد اعتمادا كليًا على التعليم وعلى الشهادة الجامعية مثل مهنة الصيدلة وصناعة الدواء، والطب وطب الأسنان والتمريض والهندسة وما إلى ذلك، وهناك وظائف قد لا تحتاج لشهادة وتحتاج للمهارة أكثر مثل البرمجة والتصميم و الوظائف التي خلقها الاقتصاد الرقمي بشكل عام.

 في قطاع الشركات الرقمية التي تقدم خدماتها على الإنترنت، يمكن قياس المهارة بكل سهولة من خلال المشاريع التي قام بتنفيذها الموظف أو شارك فيها، في المقابل تكون شهادة التخصص هي المقياس الأهم في وظائف الطب والهندسة وغيرها.

نسمع على الدوام المقولة المتكررة (مخرجات الجامعات لا تتوافق مع متطلبات السوق)، يكرر هذه المقولة الاقتصاديون، والأكاديميون، بل وحتى أرباب العمل. حتى أن بعض الشركات بدأت في الاستثمار في إنشاء أكاديميات خاصة بها، تدرب وتوظف بحسب المهارات التي تبحث عنها.

ولعلنا نستسهد هنا بتغريدة إيلون مسك “Elon Musk” -المدير التنفيذي لشركة تسلا للسيارات ذاتية القيادة- التي أعلن فيها عن وظيفة شاغرة في قسم الذكاء الاصطناعي، موضحًا أن الوظيفة لا تتطلب درجةً علمية “لا يشترط أن تكون من حاملي الدكتوراه، لا يهمني حتى إذا كنت خريج مدرسة ثانوية.”

 

وأضاف أن الوظيفة تتطلب فقط فهمًا عميقًا بالذكاء الاصطناعي، إلا أن كل المترشحين يجب أن يجتازوا اختبار ترميز صعب في لغات برمجة مثل بايثون

الجواب القصير على إشكالية عدم توافق المخرجات مع سوق العمل، هو أن الطبيعة المتغيرة للعمل تتطلب تغيرًا في المهارات، ومن هذا المنطلق فإن المواد التي تتعلمها أثناء دراستك الجامعية خلال السنوات الأربع يتم تحديثها باستمرار لدرجة لا يمكنك اللحاق بهذه التحديثات والمتغيرات الجديدة إلا من خلال التعلّم الذاتي، وهو ما طلبه منك السيد إيلون مسك.

 

اليوم بات أي عمل تجاري يتطلب حضورًا في الشبكات الاجتماعية، هذا التغير في نموذج الأعمال ولّد وظائف جديدة مثل:

 

  • مسؤول محركات بحث SEO specialist
  • كاتب محتوى إبداعي Creative Copywriter 
  • مدير التسويق الالكتروني Digital marketing manager
  • متخصص تسويق رقمي Digital marketing specialist
  • مدير التسويق الرقمي Director of digital marketing
  • مدير محركات البحث SEO manager

 

 مثل هذه الوظائف لن تجد لها مناهج في الكليات. إنما ستكون خبرتك والمشاريع التي عملت عليها هي المقياس على جدارتك. نعم هناك بعض الدورات القصيرة على الإنترنت لكنها إلى جانب خبرتك. وكما اخبرتك سابقًا هذه الوظائف تحتاج إلى تخصص دقيق ينقذك ويجعلك عملة نادرة.

 

كيف تواجه هذا التحدي؟

إذا كنت ما تزال طالب في المرحلة الثانوية أو الجامعية وتقرأ هذا الكلام قد يشعرك بالإحباط، لكن لا تهتم لكل هذا وأكمل تعليمك النظامي، لكن بجانب تعليمك النظامي. طور مهاراتك أو تعلم مهارات جديدة، حاول أن تتعلم شيء تحبه بجانب تخصصك الجامعي. اليوم هناك الآلآف في العالم يعملون خارج تخصصاتهم الجامعية. وهذا شيء طبيعي جدًا. وسوف تواجهه في حياتك العملية.

  • ركز على التعليم الذاتي.
  • اجعل التعليم المستمر ضمن قواعدك في الحياة.
  • فهم متطلبات سوق العمل.
  • مواكبة التطور في مجالك ودعم نفسك بالدورات.
  • تعلّم مهارات متخصصة وعليها طلب عالي.

هناك من أختار شغفه وطور مهاراته بعد الجامعة والتحق بهذا الشغف. وهناك من أجبرته الظروف، وهناك من للتو اكتشف شغفه، وهناك من وجد (من يكتشفه) ويدفعه للأمام.

أنت في مرحلة بناء حياتك وفي مرحلة مهمة لكسب الخبرات، استمر في دراستك، وسع معارفك واطلاعك، (ربما مررت بتغيير تخصصك الجامعي أكثر من مرة ولا بأس في ذلك)، المهم لا تترك الدراسة ولا تستمع إلى الذين يرددون هذا الكلام دون وعي منهم. ودون فهم.

الدراسة ستعلمك البحث، المعرفة، الإطلاع، حل المشاكل، سوف تمنحك (قوة وأفضلية). حافظ على دراستك و قم بموازنة ذلك مع مهاراتك التي تطورها بشكل جانبي. وهكذا سوف تكسب عصفورين بحجر واحد. (قوة المهارة وقوة الشهادة).

 صدقني الأمر ليس سهل، بل صعب جدًا إيجاد وقت للمذاكرة و وقت لتنمية مهارة .. لكن من يتهيب صعود الجبال يعش أبد الدهر بين الحفر.

 

أنت تعمل بشكل حر، هذا معيارك الأساسي

نعم نحن العاملين المستقلين هذا هو معيارنا وخيارنا في الحياة، نحن نعمل وفق مهاراتنا التي نجيدها، ونقدم أنفسنا للعملاء والشركات ضمن المهارات التي نتقنها. ما الذي سوف يتغير علينا بعد القرار؟

التأثير سيكون إيجابي بشكل كبير جدًا، غالبًا مثل هذه القرارات تعني مزيد من التشريعات لدعم المهارات، من جانب تقديم الدورات، والحوافز للقطاع الخاص لخلق مهارات جديدة، ومراجعة المناهج والتعليم، ودعم المستقلين بالحقوق في مجال التأمين والرواتب وبطاقات العمل وغيرها من التشريعات التي ستدعم المستقلين.

في السعودية بدأت مثل هذه القوانين منذ سنة تقريبًا ويجري سن كثير من القوانين للمستقلين، ونطمع أن يشمل هذا الشيء بقية الوطن العربي.

 

ختامًا عليك أن تدرك بأن “الشهادة هي أحد المصادر للوصول إلى المهارة وليست المصدر الوحيد لها”

 

انتقل إلى أعلى