العمل عن بعد

العمل عن بعد:كيف يعيش الرحالة الرقميون؟

العمل عن بعد على طريقة الرحل الرقميون:”ستتعلّم كيف تسافر، الطائرة سوف تصبح بيتك”

 

سهلت علينا الإنترنت ممارسة العمل من أي مكان، وأصبح نمط العمل عن بعد أسلوب عمل وحياة جديد لكثير من الناس. بل ظهرت أصوات تُبشر بنهاية عصر المكاتب. كل هذا قبل الجائحة التي جاءت لتساعد على انتشار وتفعيل هذا النمط من العمل في الشركات والمنظمات الحكومية أيضا. ليبرز سؤال: لماذا يجب على الشركات تطبيق نظام العمل عن بعد؟، وكيف سيغير الرحل الرقميون هذا المجال؟


أسلوب العمل عن بعد في الشركات، ولّد لنا نوعًا جديدًا من أسلوب العمل يعتمد على (السفر بشكل دائم وممارسة العمل بنفس الوقت) أصحاب هذا النمط من العمل يُدعون الرحل الرقميون Digital nomad وهم العاملين بشكل مستقل لكنهم غير مستقرين في بلد واحد.

 

هذا الأسلوب من العمل عن بعد ليس جديدًا على العالم كما تقول المدوّنة الماليزية أسما قدح والتي تعمل بهذا النمط منذ العام 2017 تنقلت فيها لعدة دول حول العالم. تؤكد أسما بأن قراءتها عن ثقافة التخفف أو التبسيط “Minimalism” ساعدها كثيرًا في سرعة التأقلم مع نمط عيش الرحالة الرقميين الذين يحتفظون بالقليل من الممتلكات. ولديهم قابلية التنقل دون الإلتزام بحمل أشياء كثيرة معهم. فكر في الجيل القادم؛ لن يحتاج للعمل من المكاتب لأن أنظمة العمل عن بعد ستكون قد تطورت بشكل أكبر.

تستعيد أسما تلك الفترة من حياتها وتقول:”بدأ كل شيء سريعًا ومترابط مع بعض بشكل دقيق، بدأت مرحلة التخفف من الأشياء، تبعها التعرف على عالم الرحالة  Backpacker، ثم وصلت إلى نمط عيش الرحل الرقميون Digital nomad”

معظم الرحل الرقميون يسافرون بتأشيرات سياحية، وهذا يجعلهم في حالة تنقل دائم بين الدول في مدة لا تزيد عن ثلاثة أشهر غالبًا.

 

العمل عن بعد هو مستقبل العمل!

في العام 2014 بدأت أسما نمطًا جديد من التدوين المتخصص عن السفر إلى ماليزيا من خلال مدونتها، تحكي من خلالها تجاربها الشخصية في السفر، وكانت تستهدف المسافر العربي. حيث كانت تدوّن باللغة العربية.

 كان التدوّين باللغة العربية من فتاة ماليزية له دوافعه كما أوضحت “في العالم العربي لم يكن أحد يعرف ماليزيا بشكل جيّد”، وتفسر ذلك بقولها:”لم يكن أحد يعرف ماليزيا إلا بعدما وضعها الرئيس مهاتير على الخريطة” بعد ذلك أصبحت ماليزيا وجهة سياحية للعالم العربي منذ العام 2003 تقريبًا. رأت أن هذه فرصة سانحة لكي تبدأ في صناعة محتوى يتعلق بماليزيا

 في ذلك الوقت لم تدرك  بأن هناك مجال عمل كامل اسمه  تدوين الرحلات Travel Blogger وأنه مجال عمل يوظف كثير من السواح الذين يأتون إلى بلدها ماليزيا. كانت أسما تلاحظ كثير من الرحالة الأوربيين Backpacker الذين يحملون كل أمتعة السفر على ظهورهم، مع التعمق في القراءة تعرفت أكثر على أسلوب الضيافة المجانية المؤقته Couchsurfing التي يتنقل فيها المسافر لعدة أيام بين عدة منازل مجانًا أو بمبلغ رمزي. وهناك عدة تطبيقات تجمع بين هؤلاء المسافرين وبين أناس يرغبون في فتح منازلهم مجانًا للغرباء مثل تطبيقات Couchsurfing Travel و HomeStay 


في العام 2017 سمعت لأول مرة عن الرحل الرقميون Digital nomad وبدافع الفضول كما قالت:”بدأت في مقابلة أناس جاؤا من عدة دول حاملين معهم هذه الثقافة الجديدة”. رأت أسما أن هذا النمط من العمل عن بعد يجذبها”كنت حريصة على سؤالهم عن كل شيء حول هذه النمط من العيش”.

بدأت تدوّن بشكل مستمر عن السفر، أصبح لديها عملاء يطلبون مراجعات عن السفر والأنشطة السياحية، وكانت لديها “رغبة مجنونة بالسفر” كما وصفتها. في تلك اللحظات بدأ الشغف وبدأت الأسئلة تراود أسما:” أنا هنا منذ 17 سنة في ماليزيا لماذا لا أبحث عن تجربة ومغامرة جديدة؟”  منذ عرفت هذا النمط من العيش والعمل عن بعد وهي تتنقل بشكل دائم “أطول فترة قضيتها في ماليزيا كانت 3 أشهر فقط، بقية العام أقضيه متنقلة بين دول العالم”

 

كيف يمكنك العمل عن بعد والسفر؟

في المنطقة العربية لدينا مواقع مثل مستقل، و خمسات، هي مصادر موثوقة في مجال العمل عن بعد تساعدك على ضمان الدخل الشهري وتُبقي خط سير رحلتك كما هو في تنقل دائم. يمكنك إنجاز المشاريع والتنقل بشكل مستمر سواءًا في مجال البرمجة أو التسويق أو الكتابة وغيرها من المشاريع المتوفرة على هذه المنصات.

أو حتى العمل عن بعد من خلال موقع بعيد الذي يوفر إمكانية العمل مع أي شركة في العالم ون التقيد بمنطقة جغرافية محددة.

غالبًا يلجأ الرحل الرقميون إلى التنقل في دول اقتصادها يساعد على قضاء فترة طويلة، تشاهد كثير من الأوروبيين في آسيا، وتشرح أسما” ليس لديك دخل ثابت، هذا يجعلك في تحدي دائم مع المصاريف”

أخبرني  فراس اللو بأنه قضى تجربة ترحال الرقمي في مدينة بالي المدينة التي ربما استطاعت تلبية خيارات المستقلين و وفرت لهم حتى مساحات العمل.  كما يدير إبراهيم البدوي أعماله مُتنقلًا ما بين دبي وسيدني وحياته كما وصفها بين مدينتين.

ويعمل الصحفي ضياء محمود على إدارة المحتوى عدة مواقع إخبارية في المنطقة العربية فهو لا يحتاج إلا إلى اتصال بالإنترنت فقط كما يصف:”أنا من الأشخاص الذين يعتمدون على عملهم بالكامل عبر الإنترنت ويعملون من البيت، المقهى، أي مكان متوفر فيه إنترنت أثناء الخروج” ويفسر ذلك “إلا إن المعنى الحقيقي والكامل لمصطلح الرحل الرقميون كنت قد اقتربت من تحقيقه في مارس أثناء السفر لمصر لبعض الوقت تمهيدًا لرحلة لأمريكا اللاتينية قبل العودة لظروف اضطرارية”

 

 

يمكنك أن تعيش حياة الرحل الرقميون في حال:

  • تملك مهارة معينة في مجال ما، مثل البرمجة أو الكتابة أو التصميم وغيرها.
  • تعرف تحديات العمل المستقل، ومستعد لها.
  • غير راضي عن وظيفتك الحالية وتريد تجربة شيء مختلف.
  • تستطيع السفر لوحدك.
  • تعرف كيف تحصل على العملاء.
  • لديك مهارة العمل عن بعد.
  • لديك استعداد للتخلي عن ممتلكاتك 🙂

 

نمط الرحل الرقميون ليس جديد!

هو أسلوب حياة ليس بغريب على المجتمع العربي، أبناء الجزيرة العربية كان يرتحلون من مكان لآخر بحثًا عن المراعي. عندما أصبح الأنسان مزارع، استقر لأنه أولًا قام بتأمين غذائه، وثانيًا لا يستطيع السفر بزرعه. 

وجاءت الانترنت وثقافة العمل عن بعد وجعلت هذا النمط مُستساغ ومقبول عالميًا. قد يكون العاملين في مجال البرمجة أو التصميم أو الكتابة الإبداعية والتدوين وبعض الوظائف الأخرى، هم أكثر المُعتنقين لهذا النمط من العمل.

لعل حياة التخفف والابتعاد عن الكماليات هي الصفة الأبرز في حياة الرحل الرقميون، كما تصفها أسما:”مُجرد التفكير بالتملك يصيبني بالقلق” وهذا يساعدهم على التنقل باستمرار “عندما تريد السفر ليس لديك إشكالية مع الممتلكات”

 

وتشرح أسما هذا الإنعتاق من التعلق بالأشياء وتضيف:”عندما يكون لديك منزل سيكون تفكيرك منشغل بفاتورة الكهرباء آخر الشهر، النباتات المنزلية من سوف يسقيها، حيواناتك الأليفه التي تقوم بتربيتها من سيهتم بها … “

 

وتلخص فكرتها بقولها:”كلما ابتعدنا عن ممتلكاتنا المادية، أصبحنا آدميين بشكل أفضل”

 

العمل عن بعد
أسما في حالة تنقل وسفر دائم، لكنها تعمل وتحاول الترويج لهذا النمط من العمل.

خلق التوازن بين العمل عن بعد والعائلة؟

إن العمل عن بعد من خلال المنزل هو أحد أهم الحلول التي وفرتها التقنية، و حقق المعادلة الصعبة عندما قام بخلق التوازن بين العمل والعائلة. فأصبح بإمكان الموظفين قضاء وقت أطول مع عائلاتهم.

سألت أسما عن العائلة، كيف استطعتي خلق هذا التوازن وأنتي مسافرة على الدوام!، كيف تديرين هذا التوازن بين العمل ومراعاة أطفالك والاهتمام بهم، وكانت واضحة “اليوم التقنية سهلت من عملية التواصل، عندما يريدني أطفالي يتحدثون معي عبر مكالمة فيديو” تفسر أسما ذلك بأن نمط الحياة اليوم يجعلنا متباعدين حتى ونحن نسكن نفس المنزل يكون تواصلنا على الأغلب من خلال تطبيقات التواصل:”ليس هناك من يمنح عائلته خمس ساعات في اليوم” على حد تعبيرها.

خلال اخر شهرين من العام 2019 تنقلت في ست دول”  كلها كانت سفرات عمل “كان مرهق”، تدير أسما عملها بشكل مستقل من خلال التدوّين، كما تعمل مع عدة عملاء في مجال السفر على مدونتها الرسمية، كما عملت مع وزارة السياحة الماليزية في مجال الترجمة وإعداد دليل السفر والرحلات أو التسويق لأماكن يرغبون في إيصالها للجمهور العربي. كما تقدم خدمات الترجمة ومرافقة السواح.

كورونا و العمل عن بعد

حلت جائحة كورونا كالمصيبة على كل أنماط العمل ومنها نمط الرحل الرقميون المسافرين على الدوام. إلا أنه لم يمنع أسما من السفر “لم أتوقف وتنقلت داخل ماليزيا خلال الست أشهر الماضية”. الأغلب من الرحل الرقميون أصبحوا محجوزين في عدة دول بسبب كورونا.”توقف العمل حتى عند من يقومون بالكتابة في مجال السفر والمراجعات سواءً على مدوناتهم الشخصية أو مدونات الفيديو عبر يوتيوب. لم يعد هناك مُحتوى جديد. أغلب مدوني الفيديو أعادوا نشر أعمالهم السابقة”

وعن نصيحتها لمن يريد خوض مثل هذه التجربة “ليس هناك شيء اسمه نهاية العالم، أنا كنت متنقلة طيلة ثلاث سنوات ولم أكن أملك منزل. بعت كل شيء وسافرت”.  وتفسر ذلك “عندما تريد تجربة شيء قم به فورًا، مشكلتنا هي الخوف من الخطأ”


وتختم حديثها بوصف حياتها الحالية:”أنا الآن أعيش أفضل من السابق” نعم “ستتعلّم كيف تسافر، الطائرة سوف تصبح بيتك”

انتقل إلى أعلى