ركز

بطيء جدًا؛ لكنه مبني على أساس ثابت

قليل مستمر، وبطيء جدًا؛ لكنه مبني على أساس ثابت!

 

لم أعمل في قطاع المقاولات، لكني مؤمن بأن البناء على أساس ثابت، مهم في أي عمل تقوم به، سواءً كنت تبني ناطحة سحاب أو تبني عادات جديدة في روتينك اليومي.

لا يهم أن كان البناء بطيء، لكن أحرص على أن يكون مستمر، حتى لو كان قليل، حاول أن تتمسك بالاستمرارية. هذه هي طريقتي في التعامل مع كل شيء في حياتي، يصف البعض هذه الطريقة، بالبرود، أو الغباء، أو الكسل، وأحيانًا يقولون عنها اللامبالاة. لكن لا يهم. ما دمت في الأخير أحقق أهدافي، لا يهمني ما يقوله الناس عنيّ.  إذا كنت تُخضع مسار حياتك لرأي الناس، سوف تنجز شيء يرضي الناس، لكنه على الأغلب لن يرضيك، وستعيش من أجل الناس وليس من أجل نفسك.  ستحيا حياة يريدها الناس. وهذه أقسى حياة يمكن أن تُعاش.

عندما أطلقت أول موقع لي في العام 2007، كانت ظاهرة “إشهار المواقع”، هي المدرسة التسويقية المسيطرة، وهذه الطريقة ببساطة، هي بيع أعضاء وهميين من أجل أن تحصل على عدد أعضاء كبير جدًا خلال فترة قصيرة، كنت أرفض هذا الأسلوب، واعتبره شيء ضد أفكاري،  و استمريت في النمو ببطء، لكن على أساس ثابت، وكسب ولاء حقيقي من متابعين حقيقيين. في العام 2020 عندما أطلقت حساب على تويتر لمشروع ما، وصلني نفس العرض من خلال حسابات بيع المتابعين الوهميين التي تملأ تويتر. كنت أتجاهل هذه الرسائل في الخاص، وأحيانًا “أبلكهم”.

في الجانب المالي، وتحديدًا في الأسهم نفس القواعد الراسخة التي أتبعها، استثمار طويل الأجل، من خمس سنوات إلى خمسة عشر سنة، رغم أن الاستثمار لايعجب كل أخواني، لأنهم مضاربين، ودائمًا يكررون عليّ نفس الجملة، “ما تنتظر أن تجنيه في 5 سنوات بالاستثمار، أحققه أنا في جلسة تداول واحدة بالمضاربة”، ولأننا عائلة ديمقراطية بالفطرة، ينتهي النقاش عادةً بالصياح، والسخرية، تجاوزنا مرحلة “شد الشعر” منذ الطفولة. تطوّرت خلافاتنا إلى سخرية من النموذج الفكري. أنا أركز على التوزيعات ويهمني التحليل الأساسي، وهم يحبون المضاربة ويعشقون التحليل الفني، لكننا في الأخير نجتمع على صحن “كبسة واحد”، مع اختلاف المدارس الفكرية الاستثمارية.

في بناء المعرفة، أعطي نفسي كل الوقت حتى تستوعب أي مهارة جديدة أحاول تعلمها، بالمناسبة دعني أسألك، هل لديك عدة دورات في عدد من المواقع التعليمية لم تُنجز؟  هل أنت فخور بنفسك وأنت تتعلم تحليل البيانات، والبرمجة، والتصميم، والتسويق، لكنك لم تركز أيّ مهارة منها، وتقفز من مهارة لأخرى، دون أن تصقل خبرتك؟!  هل تكاثرت عليك الضباء يا سيد خراش، ولم تعرف ما تصيد؟،  أنت مثل صاحبنا خراش، رغبت في تعلم أشياء كثيرة في وقت قصير. والمحصلة هي أنك لم تتعلم شيء.!

لنختصر أهدافك من “بناء المشاريع، الاستثمار، تعلم المهارات الجديدة” ضمن هدف واحد هو النمو. تريد أن ينمو مشروعك الصغير، وتحقق النجاح، وتشعر بالتقدير من المجتمع، وهدفك من الاستثمار هو نمو مدخراتك المالية، ونمو ثروتك و أصولك. حتى تصبح ثري، و هدفك من تعلم المهارات هو نمو مهاراتك، وضمان بقائك كشخص مرغوب في سوق العمل وتتطلع الشركات إلى توظيفك يا “آخرة حبة”. 

 أتفهم كل رغبات النمو التي لديك؛ عن تجربة شخصية في حال أردت النجاح فيها كلها، ركز؛ هذه هي أهم نصيحة وقتنا الحالي.  فقط ركز.  أنا لا أعرفك حتى أمزح معك، لكني أقول لك كل ما تحتاج له هو التركيز فقط.

نعم بكل اختصار ما تحتاج إليه هو كلمة من ثلاثة أحرف “ركز”،  كل سكان الكوكب لديهم 24 ساعة في اليوم، على الأرجح يقضي الناس الطبيعين الذين تتنافس معهم في النمو، نحو 8 ساعات في النوم، ومثلها في العمل، ويتبقى لهم ثمان ساعات إضافية لعمل أشياء أخرى.

لنتفق أن وقت العمل المحدد هو 8 ساعات، لكن من النادر أن يعمل الناس 8 ساعات، هذا الوقت يتسرب منه 20 دقيقة لتفقد الإيميل، ومثلها للشبكات الاجتماعية، وهناك 30 دقيقة في الأحاديث الجانبية مع الزملاء، ثم لدينا أوقات مستقطعة لفترات القهوة، والغداء، والصلاة، ثم لدينا ساعات غير مفيدة تُفنى في اجتماعات عديمة الجدوى. ثم لدينا مكالمات العائلة، “هات طماط، وخيار، وليمون” .. الخ، إذا دققت في وقت العمل، وكنت مُلتزم بقائمة مهام يومية للعمل، ولديك انضباطية عالية تجاه وقتك، ربما تعمل فعليًا أقل من ثمان ساعات.

البشرية فقدت تركيزها يا صاحبي، لذلك إذا كنت أسطوري سنقول أنك تعمل 4 ساعات فعلًا، وبقية الوقت يكون ضائع وغير محسوب، من أجل نجاحك في الحياة، واستمرارية النمو، يتوجب عليك “رفع معدل التركيز”، نحن نعيش في عالم مُشتت، أنت أمام خيارين أما تسير في طريق التشتت والعمل الضحل، أو تركز وتنتج عمل عميق. التركيز يحتاج إلى تضحيات، كما أخبرتك سابقًا؛ كيف تخرج من عبودية هاتفك. لأن بناء المعرفة، وبناء المحفظة الاستثمارية، وبناء المشروع، كلها تحتاج إلى طاقة صبر، بل طاقات من الصبر، والتركيز. في حال استطعت رفع معدل تركيزك في العمل إلى 8 ساعات حقيقية، معنى ذلك أنت تتقدم على منافسيك بيوم عمل كامل، في حال افترضنا أن منافسيك يعملون 4 ساعات، وهذا يعني أنك تكسب عملاء أكبر. فكر في نموذجك عملك كإنتاج المحتوى، أو كتابة كود برمجي، أو تصميم موقع. كلما حافظت على معدل تركيز أعلى كلما استطعت الإنتاج بشكل أكبر.  الآن اسأل نفسك ماذا يُلهيك عن العمل؟

الإجابة على هذا السؤال بسيطة، عندما حاولت إصلاح نفسي اللوامة، جربت طريقة المتابعة الدقيقة، خلال فترة أسبوع كامل من العمل، كنت أدوّن كل يوم المهام التي أنجزتها، وكم من الوقت قضيته عليها، منذ بداية العمل حتى نهاية يوم العمل. مكنتني هذه الطريقة، من معرفة الوقت الفعلي الذي أقضيه في إنجاز المهام. و الوقت الفعلي للعمل، بعد ذلك ستتكشف لك الأوقات الفعلية لكل المهام التكرارية اليومية، مما سيدفعك لضبط وقتك، ثم إعادة برمجة نفسك مرة أخرى، ومحاولة إنجاز هذه المهام في وقت أقل، وإضافة مهام جديدة. وهكذا كل فترة تراجع “الوقت المنجز لكل مهمة”، حتى تعرف أن مهام مثل: المتابعة مع الزملاء، والكتابة، وإعادة الكتابة، والاجتماعات، والمقاطعات وغيرها كم تستهلك من وقتك.

سأكون صريح معك؛ الكوكب لا يسير وفق خططك العظيمة، وروتين يومك الرهيب، لذلك مهامك اليومية، ستكون عُرضة، للمقاطعات من الزملاء، واجتماعات غير مجدولة، ومهام عاجلة، وتعديل مهام كنت قد سلمتها واحتفلت بتسليمها، ثم هناك حالتك النفسية، ومزاجك العام، وكثير من الظروف المحيطة بك، التي تهدد جدولك و روتينك اليومي. كل هذه المشاكل واجهتني، لكني حاولت تلافيها بعد تطبيق مصفوفة ايزنهاور، أنا ممتن جدًا لهذه الطريقة التي عالجت كثير من مشاكل يوم العمل.  جربها لغرض التجربة والاكتشاف، ثم حاول أن تعتمد عليها في يوم عمل واحد، بعد ذلك ستقع في غرامها و تطبقها بحزم. وقتك محدود جدًا، والوقت الذي تكون فيه في مزاج راااايق  قليل جدًا، إذا أردت أن تنجح وتستمر في النمو، ركز. فلتر، أحذف، بلك، تجاهل، انسف، وامض في طريقك.  نعم يا صديقي للنجاح والتركيز ضريبة عليك أن تدفعها.

الآن دعنا نستذكر قاعدتنا الجميلة التي بدأنها بها التدوينة ” قليل مستمر، وبطيء جدًا؛ لكنه مبني على أساس ثابت”، هذه القاعدة أتذكرها كلما سمعت عن قضايا الاحتيال المالي في السعودية،  وأحلام الثراء السريع، التي لا تتوقف وكل يوم لدينا قصة جديدة، كل هذه القصص تعطيك مؤشرات يجب أن تتوقف وتنتبه لها. لماذا نجح المحتالين في كسب فريستهم؟، لماذا يقوم رجل بالغ عاقل بتحويل مبلغ مالي ضخم لشخص مجهول تحت مزاعم تدبيل المبلغ خلال فترة قصيرة؟، لماذا من السهل اصطياد هذه الفرائس الباحثة عن الاستثمار؟، لماذا هذه الفرائس لم تتوجه لقنوات الاستثمار الرسمية في البلد؟،  كل هذه الأسئلة وغيرها تقودك إلى إجابة واحدة، “ليس لديهم طاقة صبر، ومن السهل خداعهم، وربما قروأ عن قصص نجاح سهلة”، قاعدتهم هي:<كثير عاجل يتم الآن،  سريع جدًا؛ لا يهم على أي أساس تم بنائه> من أجل ذلك يتم اصطيادهم بسهولة.

حتى نتحرى الدقة و الموضوعية، هؤلاء يقعون فريسة لعدد كبير من الأسباب، قد يكون الإعلام أحدها. أحيانًا يساهم الإعلام في نشر قصص النجاح على أنها شيء سهل، ويمكن تحقيقه بسرعة، وهذا يغري الكثير من البسطاء في السباحة ثم الغرق، أي قصة نجاح خالية من فقرات تتحدث عن التحديات والعقبات وكيف تم التغلب عليها، هي قصة تحمل تضليل كبير للقارئ، ويجب محاسبة الكاتب، لأنه يساهم في تضليل الرأي العام.

ليس هناك شيء سهل، الحياة صعبة، والتركيز يحتاج إلى التخلص من كثير من “الملهيات والملذات”، لكن في النهاية، لذة النجاح سوف تنسيك كل هذه الملذات المؤقتة، و أعني هنا بالملذات العادات السيئة في استخدام الشبكات الاجتماعية بشراهة، أو إضاعة الوقت في التخطيط دون إجراء أي خطوة للأمام. فكر في الملهيات التي تحرمك من التقدم، لكل شخص ملهياته الخاصة.

متى آخر مرة جلست مع نفسك، دون استخدام هاتفك؟، جرب أن تستخدم هذه الطريقة، سوف تشعر بالملل، وهذا شيء عظيم ورائع جدًا لعقلك، الملل ممتع، هذا الملل سيدفعك للتفكير أكثر، في أول ثلاث دقائق ستبدأ مراكز الإدمان في عقلك بإرسال إشارات إلى يديك، تحركي الآن استخدمي الهاتف، ستكون مثل الأبله الذي يبحث عن هاتفه بجنون، ثم تستشعر بأنك في تجربة واختبار، وأن هاتفك مغلق وموجود في الغرفة الأخرى، وأنت هنا حتى تختلي بنفسك التي تجاهلتها دومًا، وكنت تهرب للشبكات الاجتماعية أو مشاهدة نتفلكس أو الاستماع إلى سبوتيفاي. ركز وأجلس جلسة مريحة على الكرسي.

ستكون أول 15 دقيقة فترة حرجة، ستُحرك فيها شفتيك مستخدمًا كلمة “أأأأأأأف” عدة مرات، بعد ذلك، ودون تخطيط مسبق، سوف تتسلل إحدى أجمل الأفكار إلى ذهنك، ويبدأ خيالك الخصب في التخاطب، ربما تكون هذه الفكرة مرتبطة بذكريات الطفولة، أو سنوات ماضية قبل استخدام الهواتف الذكية، أو ربما تكون فكرة مستقبلية عن أمرٍ هام في حياتك، تجاهلته مرارًا وتكرارًا. والآن جاء الوقت حتى تعطي قرارًا حاسمًا حول ذلك.   تحلى بالصبر. ركز وأثبت في الكرسي.  <هذا كرسي إعدام التشتت>. تحتاج لمثل هذه الجلسات كل فترة، من أجل تجديد خلايا مخك المدمنة.

لا تغرك النجاحات السريعة التي تراها من حولك، ركز على قاعدتك البسيطة، قليل ومستمر وبطيء جدًا؛ لكنه مبني على أساس ثابت، يمكن لهذه القاعدة، أن تُعظم من استثمارك في نفسك، وتجعلك تحيا حياة سعيدة.

 

خفف السرعة وركز.

 

فكرتين عن“بطيء جدًا؛ لكنه مبني على أساس ثابت”

  1. مبارك علي الشهر أستاذنا.. الله يتقبّل منا ومنكم صالح الأعمال.
    قرأت ” Deep Work” أكثر من مرة، لكن علقت في التخطيط لتحويل مافيه إلى خطوات عملية في حياتي.
    شكراً على الجلد الذي جاء في وقته.

  2. رمضان مبارك عليك صديقي.

    مقال رائع جدًا احسنت. فعلًا فقدان التركيز والتشتت من اكبر مشاكلنا في اسلوب الحياة الحالية، الموضوع مو بس مسكة الجوال المتكررة بدون هدف لكن كثرة الاحداث وتسارع الامور لها تاثير ايضًا على صفاء البال.

    واعتقد اكبر فخ وقع الكثير منا فيه هو اسطورة الملتي تاسكنج الي بالحقيقة خلتنا نضيع المشيتين، واصبحنا نترك الامور بنص الطريق من المشاريع الكبيرة لابسط المهام اليومية.

    جدول ايزنهاور ممتاز لاي شخص يعاني من عدم قدرة تحديد الاولويات، انا استخدمه من فترة لفترة لما تتراكم علي الكثير من المهام ومحتاج اعيد ترتيب اموري.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

انتقل إلى أعلى