فروة جريد

فروة جريد: إعادة تصميم الفروة السعودية!

عندما بدأت التدوين في العام 2005، كنت أدوّن عن تجاربي الشخصية، مثل أفلام شاهدتها، أو كتب قرأتها، أو حتى مطاعم و وصفات طعام أعجبتني.  تلى ذلك أن انتقلت للتدوّين التجاري، وتوقفت عن كتابة التجارب. كسبت الكثير من الأصدقاء من خلال مدونتي السابقة على بلوقر، بسبب أسلوب التدوين عن تجاربي الشخصية.

ولا زلت أعتقد أن التدوّين في أساسه هو من أجل رواية التجارب الشخصية، حتى المدونات الرسمية للشركات يجب عليها أن تروي تجارب المستهلكين لخدماتها، حتى تكسب المزيد من العملاء.  سأعود لهذا النمط من التدوّين، واليوم لديّ تجربة سأحكيها لكم مع “فروة” وقعت في غرامها.  و في حال لم تكن من السعودية، دعني أشرح لك ما هي الفروة؟، هي كما جاء في معجم المعاني

فَرَوات و فَرْوات و فِراء
كِسَاءٌ يُتَّخَذُ مِنْ أَوْبَارِ الإِبِلِ أَوْ جُلُودِ الأَرَانِبِ أَوِ الثَّعَالِبِ وَيُعْرَفُ بِالْجُبَّةِ

 

على سبيل المزاح مرة كتبت تغريدة في تويتر؛ طلبت فيها أن يكون مجتمع ريادة الأعمال السعودي، مميز ومتفرد من خلال إرتداء الفروة في كل وقت.  بمعنى إذا دققت في ثقافة ملابس مجتمع السيليكون فالي، ستجدها ملابس غير رسمية، وهناك الكثير من الهودي، لماذا لا تكون الصبغة الرسمية لنا، فروات.!

أعلم أن لبس الفروة في صيف السعودية هو تجربة حقيقية لنار جهنم، لكن في المقابل هناك شركات مقار عملها في الصيف تتحول إلى ثلاجات موتى، بسبب كمية التبريد الرهيبة و وقوة تبريد مكيفات الشركة.  “اسأل موظفي أرامكو كمثال”.

عمومًا يمكن إعادة تعريف الفروة، وجعلها قابلة إلى اللبس صيفًا وشتاءً، وتساعدك على التحرر من قيود النموذج التقليدي للفروة. كل الفراء التي لبستها من طفولتي حتى الآن، كانت صناعة سورية، وكانت الصناعة السورية معيار للجودة، وهناك عدة درجات وتفاوت في الأسعار.

لكني أصبحت منحاز للمنتج الوطني، ظهرت كثير من المتاجر التي تبيع الفروات بأشكال و ألوان مغرية جدًا، لكني بقيت متردد جدًا في الشراء، ماذا عن الجودة؟، هل هي صناعة سعودية أم صينية؟، لماذا تصميمها هكذا؟  معقول أنا ألبس كذا؟، لماذا أصبحت الفروات الرجالية والنسائية متشابهه!!

هذه الأسئلة تبخرت بعدما قرأت خبرًا عن إطلاق فروة من قبل النشرة البريدية جريد،  نعم نشرة بريدية متخصصة في أخبار المال والأعمال وريادة الأعمال تطلق فروة!،  دعني أشرح لك هذا النموذج الربحي، عندما كتبت عن طريقة آبل في تغيير الإعلانات، كنت أقصد أن نموذج العمل على الإنترنت يتغير، معنى ذلك أن الاقتصاد الرقمي يخلق منافسة لا يمكنك تخيلها، مما يعني أن نشرة بريدية على الإيميل باتت تنافس مصنع في سوق الحميدية بسوريا عمره 100 سنة.!  نعم يا صديقي مرحبًا بك في الاقتصاد الرقمي حيث لا حدود للمنافسة.!

اشتريت فروة جريد، وكانت من أجمل المنتجات التي حصلت عليها، و وجدت أن السعر جدًا مناسب لي، لأني كنت أشتري بحدود هذه القيمة، كنت أشتري نوع يُسمى، الطفيلي، وتتراوح أسعاره ما بين 400 ريال وتصل إلى 1500 ريال، بحسب إذا كان الفرو طبيعي أو صناعي. و وجدت أن سعر 500 ريال لفروة جريد هو استثمار جيّد، أيضا سوف أحصل على تصميم جديد، وأستطيع لبسها كأنها هودي، وأتخلص من تعقيدات لبس الشماغ.!

قبل قرار الشراء بحثت في متاجر انستجرام، وحراج، وجدت أن السعر يتراوح في هذه الحدود، لذلك راضي عن المنتج تمامًا، وأحببت التصميم الجديد. وأحببت كسر التقليدية وتجربة تصميم جديد.!

ولأني قارئ يومي لنشرة جريد، أعلم تمامًا تحديات بناء نموذج عمل على الإنترنت يعتمد في دخله على الإعلانات فقط.  اليوم باتت الإعلانات مستنقع خطير. لا لا هي “وحل” تهرب منه الشركات الكبرى، وسبق فسرت ذلك بأن الحكومات سنت تشريعات وأنظمة جديدة، من أجل التضييق على هذا النموذج، أعني نموذج استهداف المستخدمين بالإعلانات من خلال جمع بياناتهم.

لذلك أحببت نموذج جريد التجاري، كما أحب محتواهم. نموذج جريد الربحي سبق أن عملت به وأعرفه جيّدًا. هو يتلخص في التالي: قم ببناء مجتمع على الإنترنت، أكسب ثقتهم، بعد ذلك قم ببيع المنتجات لهم.  انتهت القصة.!

وبالعودة للفروة فقد تم تصميمها للجنسين، بحسب ما تم كتابته في المتجر، وأعتقد بأن الجيل الجديد من المصممات السعوديات سوف يواجه حالة من الرفض في البداية، بعد ذلك ستتغير وجهة النظر وتكون هناك حالة من الاقتناع ثم القبول ثم التعود، لأني أعلم تمامًا بأن مس الزي السعودي يعتبر من المحرمات.  لكن قياسًا بما حدث في الماضي التغيير قادم لكنه يحتاج لفترة طويلة.

كمثال لو أخذت التطور التاريخي في تصميم الصاية الرجالية ، أو الدقلة الرجالية، وهي نوع الملابس تُلبس في الأعياد والمناسبات العامة، ستجد أنها بدأت بلون موحد مطابق إلى لون الثوب تمامًا. وتستخدم من أجل الدفء. بالضبط كأنك تلبس ثوبين.  لكنها اليوم تحوّلت إلى أشكال وتطريزات وتصاميم مختلفة جدًا، وأصبح نفس الأمر يحدث اليوم مع الفروات.

أذكر حلقة عبقرية من مسلسل طاش ما طاش بعنوان الموضة، تم عرضها في العام 1994، كانت تتحدث عن (أشمغة و أثواب وعقل) بألوان متعددة، والشيء المتعارف عليه في الزي السعودي هو ثوب أبيض، وشماغ أحمر، وغترة بيضاء، وعقال أسود. لا يمكنك أن تمس هذه الألوان مهما كانت درجة الجنون التي تحملها.  إلا أن مدير التسويق في شركة الملابس قرر أن يقوم بإدخال الألوان في كل قطع الملابس، وكانت ردة فعل المستهلكين غير متوقعة!

بعد نهاية الحلقة في رمضان أذكر بأننا تناقشنا حول الفكرة، وضحكنا، وقلنا مستحيل شيء هكذا يحصل. لكن اليوم عندما تنظر في ألوان أشمغة الشتاء كمثال تجد كل الألوان حاضرة، أزرق، بيج، أصفر وغيرها من الألوان. وكأن رؤية الحلقة الساخرة تحققت.  تبقى العقال ثابت باللون الأسود. : )


والشيء بالشيء يذكر، أول مرة عرفت
شركة لومار، كان من كتاب من باب التغيير، كتاب قصير جدًا، لكنه يحمل فلسفة لؤي نسيم وكيف فكر في إعادة تعريف الثوب السعودي، رغم أن مجال إعادة تصميم الزي الرجالي السعودي مجال ممتلئ بالأسلاك الشائكة، ويستحيل أن تجد رجل عاقل بالغ يسكن في منطقة نجد تحديدًا، يرضى بأن تقوم بتطريز ثوبه أو إضافة ألوان أو تصاميم خاصة. إلا أن الشركة نجحت وجعلت علامتها التجارية محط الأنظار.

لازال نسيم يواجه تحدي ثقافي، لكنه على الأقل نجح في إعادة تعريف الثوب السعودي، وحتى أكون أكثر دقة، فئة الشباب الحجازيين الذين يرتدون الجينز بشكل دائم، ويحتاجون لثوب عملي، ومناسب، وغير رسمي. هي أكثر فئة رحبت بتصاميم شركة لومار. تخيّل ثوب بسحاب دون أزرار، هذه تعتبر من خوارم المروءة في الرياض، لكنها شيء “كوول” في جدة. وهنا اختلاف ثقافي طفيف. إلا أن هذه الموديلات وصلت إلى الرياض، وهذا نجاح كبير لثقافة إعادة التعريف التي تبنتها لومار.  ومن قبل لؤي نسيم كان هناك المصمم سراج سند، الذي يعتبر أول مصمم سعودي حاول إدخال تغييرات على الثوب السعودي.

 

 


بالعودة إلى الفروة كرمز ثقافي، أذكر أن الأمير محمد بن سلمان استخدام الفروة بكل ذكاء، كدليل يرمز على ثقافتنا و هويتنا أثناء زيارة الرئيس الياباني. كانت تغطية الصحافة العالمية لهذا الاستقبال تغطية إيجابية، وتحدثت عن الهوية السعودية في ملابس الشتاء.

 

 



ولأن قروب عائلتنا العظيمة على واتساب ما يحب يفوت أي شيء عني، كان مقطع أسامة الراشد عن الفروات، نكتت هذا الأسبوع. 
يجب أن أعترف بأن أسامة ساخر بالفطرة، ويعرف كيف يصنع النكتة، وفي الحقيقة الفيديو ضحكني جدًا، وأعدت مشاهدته عدة مرات.  لكني أختلف معه جدًا. نحن نشهد مرحلة تحوّل في التصميم، ربما لو تأخذ جولة على متاجر انستقرام ستجد الكثير من المصممات السعوديات لمختلف الملبوسات الرجالية والنسائية. يريد هذا الجيل الجديد أن يخلق منتجات تناسب حسه وذوقه الفني، وتعبّر عنه.  فكر فيها بشكل مختلف، اليوم أقدر أهدي هذه الفروة لأي صديق أجبني يزور المملكة و أقول له، هذا من إنتاجنا من وحي ثقافتنا، من خلاصة تجربتنا في الحياة. 


 

تمت كتابة هذه التدوينة تحت درجة حرارة 12 درجة مئوية، و أنا لابس فروة جريد الرهيبة التي جعلتني أشعر بالدفء. شكرًا للجيل الشاب من المصممين السعوديين والسعوديات الذين خلقوا لنا منتجات جميلة تعبر عن هويتنا. وتفهم ثقافتنا. وتجعلنا جيل مُنتج وليس مستهلك فقط.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

انتقل إلى أعلى