مجتمعات الانترنت

مستقبل الانترنت: مجتمعات حوار متخصصة.

مرحبًا

يُقال أن التاريخ يعيد نفسة، وكذلك الإنترنت تعيد نفسها، عندما كتبت رحلة عشرين سنة في فضاء الإنترنت، ثم قبلها في تدوينة سابقة عندما استشرفت مستقبل المحتوى على الإنترنت، كنت ألمح إلى أننا سوف نُعيد تكرار الخدمات والمنتجات. 

لذلك إذا كنت من جيل المنتديات، سأخبرك أنها عائدة، وفي حال لم تدرك تلك المرحلة، أعتقد أنك ستحبها أكثر من الشبكات الاجتماعية الحالية.

أحب موقع Product Hunt وهو أحد المواقع التي أبدأ فيها تصفحي اليومي للإنترنت، إلى جانب Hacker News و TechCrunch، أكثر شيء يلفت الانتباه في المشاريع والمنتجات على Product Hunt، أنها غالبًا ليست شيء ملعون وخارق للعادة، إنما تكرار لشيء سابق.  أنا لست ضد إعادة إحياء وصناعة الأفكار، لكن يمكن أن تأخذ التكرار كمؤشر على أننا نُعيد أفكار من سبقونا لكن بتغيير طفيف.

في قطاع آخر وهو السينما، ستجد أن هوليوود غارقةً في إعادة صناعة الأفلام، ولعل أحد أهم الأسباب، هو ندرة أو غياب كُتّاب القصص المثيرة، لذلك يلجأ المنتجون الباحثون عن تعظيم الربح، إلى الرهان على إعادة إنتاج الأفلام الخالدة، لكنهم في الغالب لا يراهنون كثيرًا على ابتكار قصص جديدة. لنترك السينما، ونعود للتقنية، لديّ عدة تصوّرات عن المجتمعات على الإنترنت، سبق أن كتبتها في عدة تغريدات متفرقة، وأرغب في توثيقها ضمن تدوينة قصيرة.

قبل أن أشرح فكرتي؛ دعوني أُقسم مستخدمي الإنترنت إلى ثلاثة أقسام (10% المبدعون، 70% القردة، 20% المتفرجون)

  • المبدعون: يندرج تحت هذا التعريف الكثير مثل أصحاب الشركات، ومنشئي المحتوى، وأصحاب المواهب والابتكارات، الذين يدعمون محتوى الإنترنت، سواءً من خلال مشاريعهم أو منتجاتهم أو خدماتهم. وهم إجمالًا الفئة التي تُساهم في بناء المنتجات أو بناء المحتوى.
  • المتفرجون: هم فئة تستخدم الانترنت على “الوضع الصامت”، لو حصل زلزال في الإنترنت لن يرف لهم جفن، ليس لأنهم شجعان، لكن هناك نوعية من البشر، تحب أن تأخذ دور المشاهدة. وتترك صناعة الأحداث. تستهلك المحتوى في الوضع الصامت.
  • القردة: تشبه حيوانات القردة، لأنها تتحرك في مجموعات كبيرة، تصرخ ولها صوت يمكن سماعه، يمكنها الانتقال من مكان لآخر في مجموعات بسرعة كبيرة، كما هو الحال في الانتقال وسرعة تصفح مواقع الإنترنت. هي فئة مهمة في الإنترنت، وهي المحرك الأساس للإنترنت،  هي أكبر مستهلك للمحتوى، يمكن للقردة أن تخلق ثقافة معينة، ويمكنها أن تتبنى ثقافة معينة. وجودها مهم لأنها الفئة التي تشتري، ويتم بناء خطط التسويق بناءً على تصرفاتها. عادةً يأخذ المبدعون دور “علماء المختبرات”، وتكون القردة هي “فئران التجارب”. 

كشخص مبدع أنت تحتاج للقردة، والمتفرجين، لأن مشروعك أو منتجك يتطلب منك أن تبيعه أو أن يتم استهلاك محتواك من قبل القردة أو المتفرجون، في المقابل تعتمد القردة والمتفرجون على كل ما ينتجه المبدعون. تقفز القردة من موقع إلى آخر، تبقى آثارها محفورة ملفات الكوكيز، نحن أمام مجتمع متعاضد يعيش على خدمات بعض (لا يمكن لمشاريع المبدعين أن تنجح في ظل غياب القردة والمتفرجين، في حين لا يمكن للقردة والمتفرجون العيش في بيئة خالية من المشاريع).

القردة هي رئة الإنترنت التي تتنفس بها، والمبدعون هم العقل والقلب الذي يفكر ويضخ الدم لباقي الجسم، والمتفرجون هم الطحال، لم يتم التأكد من مدى فائدة بشكل دقيق. لكن وجوده مهم لحفظ التوازن.!

في كل المجتمعات البشرية تجد أن الفئة التي تخلق التأثير، وتصنع التغيير، هي فئة قليلة جدًا، كنسبة مئوية ستجدها أقل من 10%، في حين أن من يؤمن بهذا التأثير والتغيير، هي فئة كبيرة جدًا، تتشكل من كافة طبقات وأطياف المجتمع منهم الأغبياء و الجبناء، والمسحوقين، ومن لا صوت لهم. و اللاهثين خلف الشهرة وهناك أيضا الشجعان الذين يعملون بشكل منفرد،. الجميع سينقاد لهذا التأثير وفق تراتبية معينة تبدأ من الأغبياء وتنتهي بالشجعان.

في فترة من الفترات سنلاحظ “هجرة فئة المبدعين” نحو المجتمعات المتخصصة، بمعنى سيجد المبدعون أن الشبكات الاجتماعية، مكان مزدحم بالقردة، ومن غيّر المقبول أن يكون المبدعون والقردة في مكان واحد. يتناقشون نفس الأفكار. هذه خطيئة كبيرة، لا تنبع من “النفس المتكبرة” لكن بواعثها “عقول تبحث عن عقول تشبهها”.

نعم مستقبل الإنترنت هو مجتمعات متخصصة حسب الفئة والمجال، سنشهد حالة من تفكك الشبكات الاجتماعية، إلى مجتمعات أصغر، و نوادي مغلقة، يبدو أننا وصلنا إلى مرحلة “محد طايق الزحمة”، اليوم عندما تتصفح تويتر كمثال، تجد أن حورًا بين أي متخصصين، يكون عُرضة للاطلاع والقراءة والرد من قبل فئة كبيرة من الغير متخصصين، وتنشأ تحت هذه التغريدة مغالطات منطقية، وشتائم، ومعارك كلامية، وصياح، وكل ذلك بسبب أن غير المختصين يتحدثون 

لم تصل البشرية إلى مرحلة كان التواصل فيها بهذه السهولة والجنون الذي أحدثته الإنترنت، والشبكات الاجتماعية تحديدًا، ونشأ عن هذا التواصل الكثير من الفوائد الجمة للبشرية، في مجالات مختلفة. الآن هل سنفقد هذا التواصل. لأ .. أنا لست متشائم. لكن سيكون التواصل أكثر تخصصية، أكثر قيمة، أكثر فائدة.

تخيّل مجتمع يكون فيه كل علماء الذكاء الصناعي، أو فيه كل المانحين للمشاريع الإنسانية، ستكون المجتمعات شيء يشبه Reddit، لكنه يأخذ أشكال مجتمعات مغلقة، تحتاج إلى اعتمادية معينة حتى يمكنك الانضمام لها، بدأنا نرى نماذج مثل trends وهو مجتمع لريادة الأعمال.

هل أنت مستعد لبداية النهاية الشبكات الاجتماعية؟

  1. الشبكات الاجتماعية ستكون مكان للفوضويين الفارغين، وهي بداية النهاية لها.
  2. سينتقل المستخدمين لمجتمعات أخرى متخصصة، يناقشون فيها أفكار مع أشخاص يشبهون أفكارهم.
  3. ستعود المجتمعات “المنتديات” المتخصصة، لكن بشكل وأسلوب جديد، لن تكون منتديات حوار، لكنها مجتمعات نقاش. يمكن أن تكون مجتمعات فيديو، ويمكن أن تأخذ أشكال أخرى نصّ أو صوت.
  4. الشبكات الاجتماعية كنموذج ربحي يعاني، الآن يتم التضييق عالميًا على نموذج تتبع بيانات المستخدمين. هذا يعني أنها فقدت مكينة تمويلها، وستبدأ في البحث عن مصادر دخل جديدة أو تخرج من السوق.
  5. إذا بدأت هذه المجتمعات كنموذج ناجح في أمريكا، فهي موجة سوف تصل للجميع بما فيهم نحن العرب، لذلك لنستعد للموجة.  
  6. التاريخ يعيد نفسه، الانترنت أيضا تكرر نفسها.

 

 

الآن سأعود بالذاكرة قليلًا؛ عندما قمت بتوثيق قصة مكتوب، كنت أعلم تمامًا بأن قوة الإنترنت هي في مجتمعات الإنترنت، من يخبرك عكس ذلك إما غبي أو لا يعرف كيف تتحرك الإنترنت. مكتوب قامت في أساسها على ثمان منتديات حوار، ثمان مجتمعات. اليوم في 2022 استخدم تطبيق تيليجرام ولديّ اشترك في أكثر من 65 مجتمع حواري “مجموعات”، مابين النشر الرقمي، التسويق، الكتب، حتى هناك مجتمعات خاصة مثل محبي روايات هاري بوتر، ومستخدمي سيارات تسلا، الأسهم الأمريكية، محبي مسلسل قيم أوف ثرونز، مجتمع الشاي، ومجتمع للإعلانات التجارية السعودية، وغيرها الكثير.  وهي مجتمعات نشطة تصل التحديثات اليومية في أغلبها إلى 1000 تحديث، -الحمدلله على نعمة إيقاف الإشعارات-.

هذا مثال صغير على أن المستخدمين راغبين بشدة في الهروب من الشبكات الاجتماعية، ويرغبون في الانضمام إلى مجتمعات صغيرة، تشبههم. يعرفونها، يحصلون فيها على الاحترام والتقدير، لا أحد يتنمر عليهم. ينتجون و يستهلكون محتوى يحبونه.

في العشر سنوات الماضية، فقدنا مجتمعات ومنتديات عربية، مثل منتدى إقلاع سوفت، ومنتدى فتكات، ومنتدى المشاغب، ومنتديات الاقلاع. وكلها أصول رقمية مهمة كنت اتمنى بقائها، لأني متأكد بأن الحياة ستعود لها.

أستذكر في مرحلة ما، كان لدينا موقع المرقاب أو “أعجبني”، ثم موقع ثبت، كلها كانت محاولات عربية رائعة جدًا لبناء مجتمعات عربية، اليوم لدينا مجتمعات حسوب io، الذي بدأ بشكل متخصص في التقنية، ثم تحوّل إلى مجتمعات عامة تخدم كافة المستخدمين. أعتقد أننا حاليًا في حاجة لموقع عربي على هيئة digg و reddit نحاول من خلاله بناء الترند العربي بعيدًا عن خوارزميات تويتر وفيسبوك. كثرة برامج البودكاست العربية مؤخرًا، ثم عودة النشرات البريدية المتخصصة كلها وسائل ترجعنا للجيل الرهيب في الإنترنت وتخبرنا بأن الأنترنت ليست شبكات اجتماعية فقط.  

 

الشبكات الاجتماعية فقدت أهميتها، والمبدعون سيعودون للمجتمعات المتخصصة، والقردة ستتحرك في مجموعات هجرة جماعية لهذه المجتمعات.

 

نحن مقبلين على عودة المجتمعات المتخصصة.  قم ببناء مجتمعك الرقمي من الآن.!

1 فكرة عن “مستقبل الانترنت: مجتمعات حوار متخصصة.”

  1. اتفق اننا بحاجة لعدة افكار من المجتمعات المتخصصة عربيًا وان تم تنفيذها بالشكل الصحيح وصبر عليها مدراءها فسيكون لها النجاح خلال ال٣ سنوات القادمة.

    النقطة المهمة انك اذا كنت تريد صناع محتوى ذو قيمة ينشرون في مجتمعك فعليك تقديم ارباح لهم بطريقة ما .. بدون تقديم الارباح فعلى قولتك راح تجلب فقط القردة والمتفرجون لمجتمعك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

انتقل إلى أعلى