وصاية

وصاية الحارة؛ لا تعني فرض وصاية الإنترنت!

هناك عمر افتراضي لكل شيء في الحياة، ويبدو أن الشبكات الاجتماعية وصلت إلى نهاية عمرها الافتراضي، نعم أقول هذا حتى مع كل الصعود الجنوني والزخم لشبكة تيك توك الصينية، إلا أني مؤمن بأنها بداية النهاية.

دعونا نجرب شيء جديد خارج الشبكات الاجتماعية.!  قد تبدو هذه المقدمة جنونية للجيل الذي بدأ حياته في الإنترنت مع الشبكات الاجتماعية، لذلك يعتقد أن الإنترنت هي شبكات إجتماعية فقط.

هذا الجيل هو الذي يصنع المحتوى الآن ويساهم فيه بشكل كبير، أما جيلي أنا الذي بدأ استخدام الإنترنت مع بداية الألفية هو الجيل الذي يدير المواقع، ويبني الشركات، ويستثمر في الشركات، وعلى الأغلب جزء كبير منهم وصل إلى مناصب التنفيذيين أو المستشارين،  فيما بقي بعض منهم في مجال صناعة المحتوى بدافع الشغف أو الرغبة في التغيير.

 كما أن هناك جزء من جيلي “الحرس القديم”، بقي محايدًا أو صامت ومستهلك للمحتوى، وهذا الأخير هو الأكثر سخطًا وجنونًا على المراهقين الآن. وسوف أفسر ذلك لاحقًا.  في هذه التدوينة سوف أتحدث عن جيلين، جيل بداية الإنترنت و جيل الشبكات الاجتماعية، لأننا نشهد معارك بينهم كل يوم، سواءً على تويتر أو سناب شات أو حتى يوتيوب.

هناك فرق شاسع بين نمط حياتنا الاعتيادي وبين حياة الرفاهية التي يتميز بها جيل الشبكات الاجتماعية. خذ أبسط الأشياء مثل مشاهدة محتوى الأفلام.

نحن كُنا نستيقظ بوقت مبكر جدًا، وننتظر بداية افتتاح التلفزيون الرسمي، ثم مشاهدة القرآن الكريم، حتى يأتي وقت أفلام كرتون. المكررة والمعادة مليون مرة. في حين أن هذا الجيل لديه وصول لمكتبة من الترفيه وأفلام الكرتون تُعادل عدد ساعات عمرك الحالي، يمكنه مشاهدتها في أي وقت وفي أي مكان. نحن كُنا نجتمع على شاشة واحدة. اليوم لكل شاب في هذا الجيل شاشة لوحدة، برامج لوحدة. عالم لوحدة.  هذا “التعدد في الشاشات” أثر تأثير كبير على عادات أخرى، مثل جمعة العائلة على الطعام، المنتجات الموجه للعائلة، “بيبسي العائلة” كان منتج شهير في وقتنا. الجميع يشرب بيبسي العائلة. اليوم كل واحد له مشروب مختلف.

يمكن أن تبدأ بظاهرة “تعدد الشاشات” ثم تذهب بعيدًا في محاولة فهم كيف أثرت هذه العادة الصغيرة على منتجات، أسواق، قطاعات كاملة. ثم في المقابل كيف خلقت منتجات و أسواق وقطاعات جديدة. كمثال ظاهرة موكبانغ، جاءت نتيجة إلى جيل يحس بالوحدة أمام شاشته ويريد أحد يشاركه طعامه. أو يريد أن يشاهد أحد يأكل بدلًا عنه. اليوم يجني الكثير من الشباب في الصين ملايين الدولارات بفضل ساعات من البث المباشر

علينا أن نعترف بأننا أمام جيل جديد صاعد ربما يكرهنا، أو يعتبرنا جيل لم نقدم شيء للبشرية. لذلك تجده ساخط علينا وعلى المجتمع بشكل عام. وحتى نكون أكثر عدلًا، في معظم الأحيان كل جيل يلعن الجيل الذي قبله. حتى طريقة كسبهم للمال وتعريفهم للثروة تختلف عن طريقتنا. اليوم يحتاج أي مراهق في هذا الجيل لفترة من ستة أشهر إلى سنة تقريبًا، حتى يجني 100.000 ريال، من خلال قناته في يوتيوب أو حسابه على انستقرام أو تيك توك. مقارنة بجيلي يشكل هذا الرقم تحويشة العمر لفترة عشر سنوات وربما أكثر!

نجوم هذا الجيل في الغناء، والتمثيل، والفنون عمومًا. تختلف تمامًا عن المعايير التي نشأنا عليها، كمثال كلمات أغنية صامولي، تُعبر عن جيل يفهم مفرداتها. ويعتقد أنها تعبر عنه وعن أحلامه!. لدينا جيل صارخ صاعد مجنون، ومع ذلك هناك من يريد أن يتحكم فيه ويفرض عليه قوانين المجتمع، دعونا نكون أكثر صراحة، نحن جيل مُكتئب، نعم مُكتئب مررنا بظروف جعلتنا ننظر للحياة بتعريف واحد، وشكل وطعم ورائحة واحدة.

لدينا عدة فئات من الجيل السابق أعني “جيلي”، يحاولون فرض وصاية ورسم خارطة طريق للجيل الجديد” جيل الشبكات الاجتماعية”. في حين أن الجيل الجديد يرفض الوصاية، ويهرب من الشبكات الاجتماعية التي يوجد فيها البالغين، لذلك تجد أن البالغين يدخلون في حوار مع بعضهم البعض من أجل إصلاح الجيل الحالي. سوف آخذكم في جولة تعريفية لبعض هذه الفئات:


  1. صائدي الفرص: هم أصحاب مشاريع وشركات يستهدفون الجيل الجديد بمنتجاتهم أو يقومون برعاية أحد مشاهير هذا الجيل كشركات رعاية المواهب والمؤثرين وغيرهم.  هؤلاء هم من أشد المدافعين عن ثورة الجيل الجديد، وغالبًا يتقبلون أي تغييرات تنشأ في الجيل. لدرجة أنهم يدخلون في معارك من أجل الدفاع عنهم.!
  2. الحمقى الكسالى: هم جزء من الجيل الذي بدأ استخدام الإنترنت مع بداية الألفية، لكنهم كانوا متفرجين ومستهلكين للمحتوى فقط، لم يقوموا بإنتاج شيء، ولم يتعلموا أي مهارة يتربحون منها. والآن يرون كيف هذا الجيل يكسب من خلال الإنترنت بكل سهولة. وهو أمر يُثير غضبهم، لأن الأمور لم تكن مُسيرة على وقتهم. لذلك تجدهم غارقين في شتم الجيل الحالي، وهم أكثر من يُثير المشاكل.
  3. الأوصياء الطاهرين: هم جزء من  المجتمع يزعمون بأن لهم الحق في اختيار قائمة طعامك، ونوع لباسك، ومفرداتك، وطريقة تربية أبنائك، هذه الوصاية عجيبة لدرجة أن معارضتك لهم ربما تدخلك في دوائر النبذ. يعتقدون أن الجيل الجديد مسخ مشوه ويحتاج إلى عمليات تجميل، وزرع مبادئ، وترميم أخلاق، وهدم أفكار مستحدثة. غالبًا يوجهون كل رماحهم نحو “صائدي الفرص”. وتنشأ بينهم حرب داحس والغبراء.  
  4. الصارخون في الأرض: هي مجموعة من الكلاب المدربة تدريبًا جيدًا، بحيث يمكنها النباح على أي قضية، ليس لديهم هدف في الحياة. فقط يدخلون الشبكات الاجتماعية ويبحثون عن فريسة تم تعليق حبل المشنقة لها. ثم تجدهم ينبحون، تنشأ علاقة تحالف ضمنية بينهم وبين “الحمقى الكسالى”، لتشكل معًا أغبى جيش على سطح الأرض. في حالات نادرة يمكن أن تكون هناك فئة من الصارخون في الأرض تنتمي إلى الجيل الشبكات الاجتماعية، وكما يقال:”أصغر الكلاب أشدها نباحًا”.
  5. جماعة خالتي قماشة: هي فئة تحب الاكتشاف، تستخدم نفس أسلوب خالتي قماشة في مراقبة خلق الله، تُبدع في التصيّد وخلق المشاكل، وفي أكثر الحالات هي من تبدأ في تعليق حبل المشنقة.   غالبًا هذه الجماعة تُعاني من حالة من الإنفصام الشخصي، وستجد أنها تلعن الرذيلة أمام الملأ، وفي الخفاء تمارس نفس الرذيلة.  وهي الجماعة التي تسبب التبلك الفكري والمعوي للجيل الجديد ولا يعرف يتعامل معها.
  6. جماعة التجديف في الصحراء: هي مجموعة تركب في قارب بوسط الصحراء، ومستمرة في التجديف على أمل الوصول لهدفها، ومقتنعة تمامًا بأن أفكارها صحيحة.  هذه الجماعة لديها اسم حركي آخر هو “انعدام السياق”، هي مجموعة من الأغبياء المتسلطين، الذين يحشرون أنوفهم في كل القضايا. يحفظون أطنان من البيانات في مختلف العلوم والمعارف. لكنها بيانات غير مفيدة، ولا تعطي رؤية واضحة، لأنها لم تُعالج حتى تستخرج منها معلومات. ثم لعدم اقترانها بتفكير منطقي سليم. تكمن الحسنة الوحيدة لهذه الجماعة في أنها تسبب الجلطة إلى “الصارخون في الأرض” الذين لا يتحملون برودة أعصاب وغباء هذه الجماعة.  هم مؤمنين بالمؤامرة ويعتقدون بأن هناك مؤامرات ضد هذا الجيل.
  7. عطوا سداح فرصة: هي مجموعة من المتحمسين لأي شيء في الحياة، يملكون طاقة غبية من التفائل، لو قلت لهم بأن الكوكب سيتحرق غدًا. لقالوا لك من فرط حماسهم “I can’t wait”. هي الفئة التي تنطوي تحت شعار “مع الخيل يا شقرا”، ليس لديهم “فرامل”، مندفعون بلا توجيه. وهي الفئة التي غالبًا تتبنى كل شيء من الجيل الجديد، بل تجدها تتوق إلى العودة لفترة المراهقة.  وغالبًا هم نفس الفئة التي تصبغ شعرها باللون الأزرق بعدما تتجاوز العقد الرابع من عمرها.  وهي الفئة الأشد كرهًا من قبل فئة الأوصياء الطاهرين. 
  8. التعديل والفلترة: هي النسخة المُحسنة من فئة الأوصياء الطاهرين، لكنها تتبنى خط فكري مختلف تمامًا، حيث تقوم بتبني الجيل الجديد، وتحاول زرع القيّم والأفكار والثقافة التي تعتقد أنها مناسبة لخطها الفكري. غالبًا هذه الفئة هي مجموعة من الأوصياء الطاهرين الذين تعلموا في الخارج وتأثروا بالثقافة الغربية، ثم عادوا بأفكار تنويرية جديدة. دائمًا تنشأ علاقة عمل بينهم وبين صائدي الفرص الذين يعتقدون بأنهم فئة يمكن العمل معهم. وخلق نماذج عمل مربحة.

يُشكل جيل الشبكات الاجتماعية مبعث قلق لبعض الفئات السابقة، كما أنه مصدر رخاء واطمئنان لفئات أخرى، حتى هذه المقالة لن يقرأها الجيل الذي أتحدث عنه.، أذكر بأني كتبت ذات مرة أن الشبكات الاجتماعية يجب أن تكون دوائر منفصلة، بحسب العمر؛ الأطفال لوحدهم، والمراهقون لوحدهم، والبالغون لوحدهم. بحيث لا تتداخل الأفكار والمحتوى فيما بينهم. ويكون كل في فلك يسبحون. دون أي تواصل فيما بينهم. لم تعجب الفكرة الكثيرين واعتقدوا بأني قادم من العصور الوسطى.!

نحن جيل اشترك في تربيتنا كل شخص بالغ في محيطنا، وكان له الحق في ضربنا، أي شخص في حارتكم، معلمك في المدرسة، صاحب الدكان، جاركم، إمام المسجد، أصدقاء العائلة، كان لهم الحق في الوصاية علينا. بل وضربنا في أحيان كثيرة. وكانت العوائل لا تُمانع في ذلك، بل على العكس تؤكد على أن لهم الأحقية في ذلك. من أجل الحفاظ على القيم والأخلاق، وتماسك المجتمع وسمعة العائلة،  هذا الجيل الذي نشأ على وصاية الحارة، الآن يحاول فرض وصايته على جيل الشبكات الاجتماعية.  وهنا أكبر عملية تعقيد ثقافي واجتماعي يصعب ويطول شرحها.!

علينا أن نعترف بأن “الوصاية الاجتماعية” تم تحطيمها من جيل الشبكات الاجتماعية، نحن أمام جيل يُجادل حتى في أن وصاية الوالدين قضية قابلة للنقاش، وأن أحقيتهم في فرض الوصاية عليه هي مسألة ليست حتمية. لذلك ينظر في مسئلة الوصاية كأغلال تخلص منها في سن مبكرة جدًا. أما نحن ما زلنا نحمل نفس الأغلال ونريد منهم أن يحملوها. لن يتسامح هذا الجيل مع أي وصاية، بل سيكون شجاع في تكسير كل الحواجز التي رسمناها لأنفسنا. لدرجة أنه قد يقود الجيل السابق ويحقق نجاح أكبر.

هؤلاء “الملاعين الصغار” يكسبون الأموال، ويتعلمون، ويتواصلون، ولديهم أصدقاء من دول أخرى، ويتسخدمون الإنترنت في كل مناحي حياتهم. دعوهم يخلقون عالمهم، ويكتشفون حياتهم، توقفوا عن الوصاية، هذا جيل غير قابل للوصاية. هذا الجيل سوف يرسم حياته بعيدًا عن توقعاتكم.

إذا وصلت إلى مرحلة تحتاج فيها إلى تفسير وترجمة  “ميمز” يضحك عليه المراهقين فأعلم أنك تعيش مرحلة متقدمة من عمرك. مرحبًا بك في نادي <ممكن تفسر لي معنى الميمز> .

فكرتين عن“وصاية الحارة؛ لا تعني فرض وصاية الإنترنت!”

  1. صديقي جيلنا انا وياك تربى في محيط او مجتمع مصغر وهو “الحارة” لهذا نحن اغلبنا ومهما حاولنا مازلنا متمسكين ببعض العادات والتقاليد الي تربينا عليها في هذا المجتمع المصغر واحتمال كبير اننا سننقل بعض من هذه الافكار لاولادنا.

    اما جيل المراهقين الحاليين فهم جيل عالمي، تربى وتعلم وفهم الحياة من الانترنت. لدرجة انه اليوم لا يختلف المراهقين من حيث الافكار واسلوب اللبس والمكياج والمفردات اللغوية بين، مثلا، مراهقين الخليج ومراهقين امريكا وبريطانيا. تاثير المحيط الواقعي الي حولهم اقل بكثير من تاثير العالم الافتراضي الي تربوا عليه بالساعات وبشكل يومي.

    جيلنا مشكلته الاساسية انه تربى بشكل مُغلق لغاية ما تقريباً وصل سن العشرين ومن يلا بدا يشوف العالم كله الي موجود على هذا الكوكب. عكس تماماً جيل المراهقين الحاليين الي تربى من ايام الروضة على هذا العالم الكبير المفتوح.

    وهذا سبب الصراع الفكري، نحن جيل مغلق وهم جيل عالمي.

    هذا حتى على السياسة، على الاغلب، راح يؤثر لدرجة ان يلغي فكرة الدول والوطنية وتصبح الدول اشبه ببلديات محلية وينفتح العالم على بعضه بشكل كلي. يمكن الامر يحتاج عدة اجيال بعد، لكن يبدولي هذا هو الطريق الي العالم ماشي فيه.

  2. أعجبتني دوائر منفصله سبق وان واقترحت ضي مشابه له في سيرفرات الدسكورد الخاصه بالالعاب يعني روم واحد نسولف في من الابتدائي وحتى الخمس وثلاثين ،حرفيا، قلت ليش ماتكون الرومات مرقمه حسب العمر على فكره مواليد ٩٣ اي جيل سوال ابي اجابته لوسمحتو

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

انتقل إلى أعلى