لا تصنع محتوى هادف

كيف أصبح سوقنا الإبداعي متشابه

المحتوى المكرر أصبح سمة للسوق المحلي.
المحتوى المكرر أصبح سمة للسوق المحلي.

لا تصنع محتوى هادف، ولا تجعل قاعدتك الأساسية في المحتوى لأجل إنتاج محتوى هادف. وهذا لا يعني أن تُخالف الأعراف والدين. ياعزيزي المحتوى الهادف هو «المحتوى التوعوي»، أما المحتوى غير الهادف هو «المحتوى الإبداعي». 

مع الأسف يُسيطر على جزء كبير من محتوانا العربي «قالب التوعية»، وأصبح كل المحتوى «مباشر، وعظي، يخاف من الأسئلة الصعبة، يخشى التجريب» وهو قالب ليس سيء في مجملة. لكنه غير نافع لكل أشكال المحتوى. بمعنى موضوع مثل «زيادة حوادث السيارات، أضرار السمنة، التطعيمات الموسمية» هي مواضيع قابلة لأن تتحدث عنها بشكل «توعوي» من خلال منشورات قصيرة أو فيديوهات أو حتى حلقات بودكاست. لكن القالب التوعوي سوف يقتلها ويجعل الجمهور يتجاهلها تمامًا.  لكن ماذا لو تركت الحرية لصانع المحتوى حتى يخلق لك محتوى جاذب مناسب لهذا النوع من المواضيع.  غالبًا أنت «كعميل حكومي أو قطاع خاص» لن تعطي صانع المحتوى كامل الحرية في إنتاج الفكرة، بل تقوم «بقولبتة» حتى يُنتج لك محتوى توعوي رتيب لا يشاهده أحد.  ثم بعد النشر تُلقي اللوم عليه لأن المحتوى لم يحقق أهداف الحملة.! : )

وهذه مصيبة نسمع عنها كل يوم في السوق؛ لكن المصيبة الأكبر التي ربما لا يدركها هؤلاء هي أن هذا المحتوى «يؤثر على الذائقة العامة للجمهور والعملاء وصُنّاع المحتوى»، فإذا كان كل المحتوى «توعوي» سيقول الجيل الجديد من صُنّاع المحتوى:«يبدوا أن هذا ما يريده السوق يجب أن نتعلّم صناعة المحتوى بهذا الشكل»، وهكذا يتم تفريخ جيل جديد كامل مؤمن بنظرية المحتوى التوعوي، وهذا يخلق لنا «أصنام جديدة» وعقول مُعطلة عن التفكير. هذا التأثير يشمل كامل المنظومة الإبداعية. الجمهور أصبح يُطالب بهذا النوع لأنه «تشبّع وآمن بالرسالة التوعوية» لدرجة أن تعليقات الجمهور غالبًا لا تخرج عن فكرة «محتوى ما فيه توعية / محتوى فيه توعية»، وكأن عقولهم مبرمجة على هذا القالب الرتيب الممل. ومن يشذ عنه يصبح عُرضه للنقد اللاذع.

وحتى أكون صادق و عقلاني في طرحي؛ أنت كصانع محتوى سواءً كنت مُستقل أو وكالة تسويق إذا خرجت عن هذه القاعدة سوف تموت ولن تحصل على عميل واحد «لأن غالبية العملاء» مبرمجون على هذه الفكرة. إذا أردت أن تأخذ مخاطرة وتغرد خارج السوق. عليك أن تتحمل «حرق الأموال والخسائر» ثم عليك أن تجد ذلك العميل الذي لديه استعداد أن يأخذ المخاطرة معك.  وهي عملية تحتاج صبر و وقت. لأن العميل جبان جدًا، والمسؤول الذي يتحدث معك نيابةً عن العميل، هو موظف يخاف على منصبة ولن يغامر بمنصبة لأن «شلة من المجانين في صناعة المحتوى قرروا أن يشطحوا عن السوق بفكرة إبداعية».

لذلك الحل الأفضل للخروج من هذه المتاهة هو أن تترك العملاء الجبناء، والجمهور المغسول دماغه، والسوق المبرمج على نظريات إعلامية ترتعد من أيّ فكرة إبداعية. ثم تتجه بكل قوة إلى «إطلاق المنتجات الإبداعية». في هذه المرحلة سوف تكون في معزل عن «ملاحظات العميل، رأي الجمهور، قواعد السوق»، أنت مجرد صانع محتوى لديه منتجات إبداعية خاصة به، مارس كل جنونك، لا تتقيّد بالقواعد، كسر كل قواعد السوق. سيتم مهاجمتك في البداية، ثم سيألفك نوع محدد من الجمهور «لديه ذائقة مرتفعة»، هذا الجمهور كان «أغلبية صامتة»، لكنها نطقت لأنها رأت محتوى يناسبها. 

استمر في الإنتاج «أو الحرق» سمها ما شئت؛ لكن هذا الحرق من أجل بناء السمعة، خلق قاعدة الجمهور، كسب التأييد، وتغيير قناعات السوق. هكذا سوق تقلب الطاولة عليهم؛ سوف يأتيك العميل «راكعًا» ويعمل «بشروطك» بلا ملاحظات بلا تدخلات في المحتوى، بلا بلا بلا كل شيء،  قاعدتك في التعامل بسيطة «أنا أُنتج بهذه الطريقة هل ستعمل بشروطي أم لأ».  

تصحيح السوق يحتاج لصُنّاع محتوى لديهم هذا الإيمان الراسخ والصبر، وهي ميزات نادرة في السوق؛ لأن المخاطرة في صناعة المحتوى «شبه غائبة» عن سوقنا المحلي، الأغلب يعيش في مستنقع المحتوى التوعوي ولا يريد الخلاص لأنه مُكبل بقواعد السوق.

ياعزيزي المحتوى الهادف مناسب لطلاب الثانوية في حفل نهاية العام، أو في برنامج إرشادي لضبط الأخلاق العامة وهذا مكانه الصحيح ونحن ندعم ذلك، ونريد الحفاظ على أخلاقيات وعادات المجتمع. لكن إذا أصبح  كل المحتوى هادفًا تتحول الصناعة كلها إلى خطاب واحد مكرر.

 إذا كانت السينما هادفة، والمسرح هادفًا، والمقالات هادفة، والإعلانات هادفة، والوثائقيات هادفة… فهذا لا يعني أن السوق أصبح أكثر وعيًا، بل يعني غالبًا أنه أصبح متشابه مكرر ملل وكل الأفكار متوقعة.

ختامًا؛ سوقنا أصبح متشابه، متوقع، قليل المخاطرة، ضعيف التأثير  ويحتاج للتغيير وهذا لا يعني أن تُخالف الأعراف والدين، لأن المحتوى الهادف هو «المحتوى التوعوي الذي مللنا منه»، أما المحتوى غير الهادف هو «المحتوى الإبداعي الذي نتوق له». وسلامتكم.

سفر عياد
سفر عياد
- نشرة بريدية كل خميس

مدونة شخصية و نشرة بريدية ، تدور حول «التقنية، الاقتصاد الرقمي، والمحتوى»