لا يوجد نقد سينمائي في السعودية

ثلاثة أجيال سعودية يشاهدون التلفزيون - المصدر أرشيف أرامكو
ثلاثة أجيال سعودية يشاهدون التلفزيون - المصدر أرشيف أرامكو

الرأي الشخصي حول الفنون والطعام بل وربما عن أفضل كوب قهوة يكاد يختفي وسيكون الرأي الجماعي هو السائد. كل ذلك بسبب تأثير «رأي الغاضبين» على إكس.  اليوم لا يستطيع أحد يقول رأية صراحةً بعكس الكتابة في المدونات التي كانت تحمل آراء مختلفة يأخذ المدون مساحتة الكاملة لاستعراض رأية من كافة الجوانب.

اليوم حسابات إكس غالبًا لا تحمل آراء عقلانية لأنها متأثرة أو تخشى الرأي الجماعي، لذلك أزعم أن هذه الحالة له تأثير كبير على صناعة الفنون عمومًا وبالتأكيد صناعة السينما الوليدة في السعودية.

اليوم لا توجد حماية للآراء المختلفة لاحظ أني قلت حماية ولم أقل تقبل، لأن التقبل وعدم التقبل عادةً هي مسألة ذوق، لكن الحماية تتطلب توفير «غطاء ودرع واقي» لكل شخص يريد إبداء رأية. لأن كل من يقول رأي مختلف في إكس سيتعرض لمذبحة نقد وتنمر وجلد.ربما هذا الرأي كان عن فيلم أعجبة أو أغنية يعتقد أنها جميلة. ويلجأ هؤلاء لإخفاء رأيهم خوفًا من الهجوم الإلكتروني «Fear of Online Pile-on» أو ما يُعرف بـ «Twitter Mob Effect» ويعني ذلك الخوف من حملات التنمر الجماعي على إكس.

صعود التيّار الغاضب على كل شيء له تأثيرات كبيرة على الحياة الاجتماعية عمومًا ومنها «نقد الفنون» وتحديدًا صناعة السينما التي هي في طور التشكل. ربما هناك أفلام جيّدة ستموت و مواهب سوف تُدفن فقط لأن حملة الغضب مرتفعة. لنتجاوز النقد في «السياسة، الدين، كرة القدم» لأنها ثلاث قضايا يحترق ويغضب حولها الناس دومًا وتسمع الصراخ بكل لغات العالم. وهو الوضع الطبيعي لها ولجمهورها. نحن نتحدث هنا عن الشخصية الناقدة للفنون في إكس من «مسرح، موسيقى، سينما، تلفزيون، محتوى رقمي» وهي منتجات معرفية إبداعية من الطبيعي أن «تختلف ذائقة الجمهور حولها»

أعلم أن هناك أعمال سيئة أتفق عليها الجمهور وهناك تصرفات تستحق الغضب من الجماهير. لكن في المجمل نحن في الطريق إلى  صوت واحد لا يمكن الوقوف ضده. ربما الناقد الأدبي لا يحب «الفنان سين» ويكره هكذا بدون سبب، وقدم هذا الفنان عمل فني رائع. سيقوم هذا المتنمر بمحاولة تشوية العمل ونقده وجمع الآراء ضدة.

لذلك أعتقد أن النقد السينمائي في طريقه للزوال و سوف يُلغى خلال العشر سنوات القادمة ويتحوّل المشهد إلى «رأي شخصي بدون قيمة لا يُكتب ولا يُعلن عنه خوفًا من الجمهور» في مقابل رأي جماهيري غاضب ومشحون يُحتفى به وكأنه صوت المجتمع الحقيقي.

غضب الجمهور أمر مفهوم لكن عندما يتحوّل الغضب لشيء مُعتاد على كل عمل فني معنى ذلك أن الجمهور مُتحيّز أو أن كل الأعمال سيئة وكل ما فيها سيء، سأكون واضح جدًا لنتفق أن غالبية الأفلام السعودية خلال العشر سنوات الأخيرة تفتقد إلى الإنضباط في « ترتيب الأحداث، الانتقالات، الترابط بين المشاهد، وتصاعد القصة» كل فيلم سعودي دخلته في السينما كنت أعرف أني سوف أتوه وأفقد القصة والحبكة، ربما سأفقدها من عشر أو عشرين أو ثلاثين دقيقة.  المهم أنها لن تكون متماسكة لمدة ستين دقيقة على الأقل. هذه نقطة سلبية في كل الأفلام السعودية. لكن لم نجد لها نجد موضوعي وحقيقي. وهذه أحدى مهام السيناريست الذي «يفشل كل مرة في البناء » ثم يُفقدنا الحماس ويُدخل علينا الملل في أول عشرين دقيقة.

لديّ استثناءات قليلة مثل فيلم السويدي كان رائع في تسلسل القصة ولا زلت أضحك من شخصيات الفيلم، نعم الشخصيات وليس «الذبات والنكت والمواقف» التي كانت أيضا رائعة ومضحكة جدًا. لكني أنا مغرم في «بناء الشخصيات». ولم أجد في أيّ فيلم سعودي هذه البراعة في «بناء شخصيات» لها «دوافع، رغبات، أحلام، تاريخ، مشاعر». شخصيات الطلاب والعلاقة مع الوالدين، ثم شعورهم تجاه أنفسهم «راضي، ساخط، نرجسي، غرور، طموح …» ثم علاقتهم بالدوائر الاجتماعية وأعني هنا «مدير المدرسة، المدرسين» ثم نقاط الضعف والقوة لكل شخصية، ثم علاقة الطلاب مع بعضهم البعض.  ثم الابتعاد عن كتابة «الشخصية المثالية» هذا جزء مهم في كتابة ما يسمى بـ «بناء الشخصيات» وهذا أحد أهم نجاحات الفيلم حسب رأيي.

ثم بعد ذلك كان «البناء النفسي، والصراع الداخلي» لكل بطل متفرد. عشنا مع عدة صراعات وشخصيات. لكن في قالب كوميدي رائع.  وأعود وأكرر بناء الشخصيات متعوب عليه. وتسلسل الأحداث والسرد متماسك جدًا، خرجت من الفيلم وأنا «رايق تمامًا» ضحكت استمتعت وحصلت على قصة متماسكة أستطيع روايتها لصديق، ورجعت ذكريات الثانوية كل الشخصيات كانت رائعة ولا غلطة.  هذا فيلم يشبهنا هذا فيلم رائع، وأعتقد أنه يحتمل جزء ثان وثالث.

مثل هذه الآراء لن تجدها في إكس لكنك سوف تجدها في قنوات تكِ توك، هناك قنوات جميلة جدًا لمراجعة الأفلام ونقدها وتقييمها حسب نقاط ضعفها وقوتها وما هو الجميل فيها وماهو الذي يستحق التحسين. أن انسحاب كثير من السعوديين إلى شبكات «ريديت و سبستاك وتليقرام» وبداية بناء مجمعات هناك هو دليل على أن شبكة إكس لم تعد منصة للآراء الحقيقية.

الرأي الشخصي هو أحد مُتع الإنترنت نحن نتصفح الإنترنت حتى نحصل على آراء شخصية «غير تسويقية» عن خطة سفرنا القادمة أو أفضل مطعم للعشاء أو أفضل مقهى للعمل وأغلب قراراتنا تُبنى على آراء شخصية وتجارب أُناس آخرين كتبوا عنها في الإنترنت. لكن ما يحدث في مراجعات الأفلام السعودية سيء مختلف آخر، لا تعلم هل تحجز التذكرة وتتحمس مع الفيلم بسبب المديح الهائل على إكس أو تتراجع بسبب النقد الساخط على إكس، هذه الظاهرة معروفة عالميًا بنظرية «لولب الصمت» (Spiral of Silence) ومختصر هذه النظرية « إن الناس يُحجمون عن التعبير عن آرائهم حين يشعرون أنها تمثّل الأقلية خوفًا من العزل الاجتماعي» ويمكن تفسيرها أيضا من خلال تأثير عربة الموسيقى (Bandwagon Effect) وهي الميل للانضمام للرأي السائد تجنبًا للاختلاف.

شرح توضيحي لنظرية  لولب الصمت (Spiral of Silence) - المصدر : المجلة العلمية لدراسات الإعلام الرقمي والرأي العام
شرح توضيحي لنظرية لولب الصمت (Spiral of Silence) - المصدر : المجلة العلمية لدراسات الإعلام الرقمي والرأي العام

هذه الأصوات الهجومية في إكس تُشوّه «نقد الفنون» لأنها تحولها إلى «الشليلة الرقمية» لأن لو قدمت رأي فني لا يعجها سوف تهاجمك.

المضحك أننا كُنا نحن نقاد التقنية نسخر من «شليلة الصحافة الفنية الورقية»، واليوم علقنا في نفس المشكلة، لكن لعلي أجد لهم عذر في أن «الوسط الفني صغير جدًا» لا يمكن في هذا الوسط الصغير جدًا أن تكون «صحفي ناقد بحياد» لأن منهجيتك في النقد الصريح سوف تجعلك تخرج من الوسط الفني. لا أحد يريد سماع النقد في فيلمه حتى لو كان سيء. : ).

الرأي المختلف غالبًا لا يُرد عليه بحجة في إكس، لكنه يُقابَل بسيل من السخرية، مما يجعل الشخص يُراجع نفسه قبل أن يكتب حرفًا، لأنه سيفقد «الشلة» ويصبح «علكة في فم جمهور إكس» وهذه الحالة جعلتنا لا نرى «المنطقة الرمادية» في السينما السعودية وتحوّل النقد الفني إلى خيارين فقط: إما تمجيد كامل أو هجوم كامل. وهذا خلق لنا نقد سعودي جديد ممكن نسميه «النقد التسليكي» وهو عبارة عن كلام منمق كأنه بيان صحفي كُتب حتى يتفادى غضب الجمهور وهذا في حد ذاته إفساد للذوق العام على المدى البعيد.

حل هذه المعضلة يمكن في العودة إلى «أصل النقد الفني» وأعني الكتابة وتحديدًا المدونات لأنها المكان الأفضل للنقد، لأن الكتابة الطويلة «تحمي الفكرة»، والنقد الجيّد يحتاج سياق تقديمي وحجج وأمثلة وسياقات متعددة في فهم كل جوانب الفيلم. وهذا لا يمكنك فعله في إكس لأنه منصة تقتل الفكرة قبل أن تكتمل. ولأن التغريدة تختفي بعدة فترة، لكن المقال يبقى ويتراكم ويُشكّل هوية نقدية واضحة.

وحتى أصدقك القول عزيزي الناقد: التدوين يحتاج لوقت ومن يريد دخول هذا العالم لا بد أن يطوّر مهارة الصبر، لأنك كناقد فني ستكتب لنفسك لفترة طويلة «مدونتك بدون زيارات» لذلك يجب عليك أن تتعايش مع حالة «الانعزال الفكري» في البديات فقط، لأنك ستكتب لنفسك دون جمهور. ثم بعد ذلك ستكون معروف ولك آراء فنية عقلانية. «الهجوم الصراخ على إكس أو المديح المبالغ فيه» يعطيك نسبة ظهور ونجاح سريعة لكنها «مؤقتة وتزول بسرعة»

اللهم أنزل الحياة على المدونات والمدونين وكثرهم يارب : )

سفر عياد
سفر عياد
- نشرة بريدية كل خميس

مدونة شخصية و نشرة بريدية ، تدور حول «التقنية، الاقتصاد الرقمي، والمحتوى»